المشاركات

عرض المشاركات من أكتوبر, 2025

 ثروت أباظة.. فارس الأدب والسياسة في مصر

صورة
  في سجل الأدب العربي الحديث، يسطع اسم ثروت أباظة كأحد أبرز الكتّاب الذين جمعوا بين الأدب والسياسة، وبين القلم والموقف. فهو الأديب الذي كتب بالوجدان، والسياسي الذي ظلّ وفيًّا لمبادئه حتى النهاية. امتاز أدبه بالواقعية الاجتماعية والصدق النفسي، وبقيت أعماله شاهدة على عصرٍ كامل من التحولات الفكرية والسياسية في مصر. النشأة والبدايات وُلد ثروت أباظة في 15 يونيو عام 1927 بمحافظة الشرقية في مصر، في عائلة أباظة الشهيرة، وهي من أعرق العائلات المصرية ذات التاريخ الطويل في السياسة والأدب. تلقى تعليمه في القاهرة، وحصل على ليسانس الحقوق من جامعة فؤاد الأول (جامعة القاهرة حاليًا) عام 1949، ثم انخرط في مجال المحاماة لفترة قصيرة قبل أن يتفرغ للأدب والعمل العام. منذ شبابه المبكر، كانت الكتابة بالنسبة له أكثر من هواية؛ كانت وسيلة لفهم المجتمع والتعبير عن قضاياه. فبدأ بنشر مقالاته في الصحف والمجلات الأدبية، حتى ذاع صيته ككاتب يمتلك أسلوبًا راقيًا ولغةً عذبة ومواقف إنسانية واضحة. مسيرته الأدبية يُعد ثروت أباظة من أكثر الأدباء إنتاجًا في القرن العشرين، فقد كتب الرواية والقصة القصيرة والمسرحية والمقال، ...

زغاريد على جرح القلب..الفصل التاسع

صورة
بقلم: فايل المطاعني الاتصال لم يترك عادل وسيلةً من الوسائل، ولا طريقًا من الطرق، إلا وطرقها في سبيل إقناع والدته بالموافقة على زواجه من أمل. جرّب كل شيء، ولكنّه أيقن في النهاية أنّه لا سبيل لإقناعها أو إلغاء شرطها التعجيزي إلا بمواجهتها وجهًا لوجه، لعلّها ترقّ لقلبه وتلين عبارتها. كان يعلم أن الوقت يسرق حلمه، وأنّ كل لحظة تمضي، تقرّب أمل من الغياب أكثر. دخل عليها في محاولةٍ أخيرةٍ، وهو يحمل في عينيه رجاءً يشبه رجفة طفلٍ أمام أمّه. كانت الأم، خديجة، جالسةً في الصالون الأرضي، تحدّق في المرآة الطويلة أمامها، كأنها تحاسب ملامحها على ما ضاع من عمرها. قالت في سرّها بأسى: «تزوّجتُ سالم وأنا صغيرة، وأنجبتُ وأنا صغيرة، ولا زلتُ صغيرة... لكنّه لم يعرف قيمتي، ولم يُحسن معاملتي. كان شابًا مدللًا، لا يرى في الزواج إلا مظهَرًا من مظاهر الثراء. أبي – رحمه الله – زوّجني إيّاه لأنه كان صاحب مالٍ وجاه، ورفض راشد حين تقدم لخطبتي، لأنه لم يملك المهر المطلوب. أتذكر كلماته يومها: "عندك قرش تسوى قرش، ما عندك شيء ما تسوى شيء." وها أنا اليوم أدفع ثمن ذلك القرار.» تنهدت بحسرةٍ عميقةٍ وقالت وهي تبتسم ب...

طه حسين.. عميد الأدب العربي وضمير النهضة الحديثة

صورة
  يُعدّ الدكتور طه حسين أحد أبرز رموز الفكر والأدب في القرن العشرين، وأحد الذين غيّروا وجه الثقافة العربية الحديثة. لم يكن مجرد كاتبٍ أو ناقدٍ أو وزيرٍ، بل كان ضمير أمة نادى بالعلم والحرية والعقل. من رحم الظلام خرج نورُه، ومن أعماق الفقر والعجز صعد إلى القمة الفكرية، ليصبح “عميد الأدب العربي” بلا منازع.  النشأة والبدايات وُلد طه حسين في 15 نوفمبر 1889م في قرية “الكيلو” بمحافظة المنيا في صعيد مصر، في أسرة متواضعة تضم ثلاثة عشر ولدًا. أُصيب في طفولته بالتهاب في عينيه أفقده البصر وهو في سن الثالثة تقريبًا، لكن هذه المأساة لم تكسر إرادته. حفظ القرآن الكريم في الكُتّاب، ثم التحق بالأزهر الشريف سنة 1902م، وهناك بدأ احتكاكه بعالم الفكر والفقه واللغة. إلا أن روح طه حسين الثائرة لم تكتفِ بالتلقي، فبدأ يطرح الأسئلة ويشكّ في المسلّمات، مما جعله يصطدم بالجمود الفكري السائد آنذاك.  رحلته التعليمية والفكرية التحق بالجامعة المصرية سنة 1908م ضمن أول دفعة من طلابها، ونال شهادة الدكتوراه سنة 1914م عن أطروحته ذكرى أبي العلاء المعري. ثم سافر إلى فرنسا ليدرس في جامعة السوربون، حيث حصل على الد...

زغاريد على جرح القلب ..الفصل الثامن

صورة
بقلم:  فايل المطاعني  أمل راشد قال الشيخ عبدالله عبر الهاتف بصوته المفعم بالودّ: – إن شاء الله، إن شاء الله. إذن موعدنا بعد أسبوعين، لأن الخطبة لا تجوز على خطبة، فإذا البنت وافقت على من تقدّم لها، فخير وبركة، وإن لم يكن هناك نصيب، تخبرنا يا أخوي راشد. في النهاية، مسعود ولدنا، والبنت ما راحت بعيد، انتقلت من القلب واستقرت في العين. – حاضرين، حاضرين. أنهى الشيخ عبدالله المكالمة مع والد أمل، ثم التفت إلى زوجته قائلاً: – سبحان الله، صدق من قال: من تكبر البنت يكثر خطابها. على العموم، كله خير، وين ما يكون النصيب تروح. ثم أضاف وهو يضع نظارته على الطاولة: – يا سعده، خبري ولدك لا يروح يكلم أحد في موضوع أمل، ولا يتهور ويتصل بأخوها. الحين البنت طالبتها ولدنا مسعود ولد حمود، والولد من أحسن الشباب خلقًا ودينًا. فإذا صارت من نصيبه، جفّت الأقلام ورُفعت الصحف. ابتسمت سعده قائلة: – ولا يهمك يا بوجاسم، أكيد دام الولد تقدّم قبل ولدنا، من سبق لبق. وبصراحة، حظه كبير إن كانت «أمل» عروسه، ما شاء الله، علم وجمال وأدب. ثم تذكّرت بيتًا من الشعر فأنشدت بصوت خافت:  انت ياللي رمش عينك على قلبي يمون خل...

زهرة الراسبي: حين تتحول الخرائط إلى حكايات

صورة
حوار: فايل المطاعني "الحكواتي " مقدمة المجلس مساؤكم مشرق بالحكاية، ومفتوح على فضاءات الروح، حيث تصطف الكلمات كنجومٍ تهدي السامع بين الظلال والنور. في هذا المجلس، نتوقف لنستمع إلى صوتٍ يربط بين الأرض والوجدان، بين الخرائط والسرد، بين المكان والإنسان… صوت زهرة سعيد الراسبي، الكاتبة والمعلمة، التي تعرف كيف تتحرك على خريطة العالم كما تتحرك بين خبايا النفس، وكيف تجعل من الحروف جسورًا تعبر بنا إلى العوالم الداخلية للمدن والذاكرة. زهرة، التي رسمت في مجموعاتها القصصية (أشواك الورد) و*(يوميات بغدادي)* خريطةً للوجدان، واحتفت في روايتها الأخيرة دجلة بمدن فلسطين، تجمع بين الحس الجغرافي والدقة الإنسانية، فتكتب الخرائط كما تُروى الحكايات، والحكايات كما تُسافر الخرائط… فلنستعد معًا لرحلة عبر السطور، حيث تتحول الخرائط إلى حكايات، وتفتح الكلمات أبوابها لكل قلب يرغب في أن يرى، أن يشعر، وأن يحلم مساؤكم حكاية وأمل، مساؤكم ضوء ينبعث من بين السطور… س1: زهرة، أنتِ معلمة جغرافيا وكاتبة في الوقت نفسه، كيف تتقاطع خريطة الأرض مع خريطة الحكاية في وجدانك؟ ج1: الجغرافيا بالنسبة لي ليست خرائط جامدة، بل حيا...

ميزان التراب

صورة
  كانت القرية الصغيرة تنام على صوت الريح، وتستيقظ على صهيل الخيول وصرخات الباعة في السوق الأسبوعي. في طرفها الجنوبي، تمتد أرض الحاج سالم العمدة، رجل له من المال ما يكفي ليشتري نصف القرية، وله من النفوذ ما يجعل الناس يبتلعون الغصص صامتين. وفي الطرف المقابل، كان يسكن عمّ راضي، فلاح بسيط يملك نصف فدان ورغيف كرامته، يعيش على ما تجود به الأرض من قمحٍ وشعير، ويعلّم أبناءه أن "الحق لا يُؤكل حتى لو جاع البطن". لكن الحاج سالم كان يرى الأمر بعينٍ أخرى؛ ففي نظره، الحق ليس إلا ما يملكه الأقوى، وما يُثبَت بالأختام لا بالعدل. وذات مساءٍ، خرج في جولة تفقدية لأرضه الممتدة، يتبعه كاتبه "فوزي" وهو يحمل خريطة الملكيات. وحين وصل إلى الحد الفاصل بين أرضه وأرض عمّ راضي، قال مبتسمًا:  "انظر يا فوزي... لو تقدّمنا بالسور بضعة أذرع، فلن يضرّ أحدًا، فالحدود وهمٌ، والأرض أرض الله، ونحن عمّارها!" ضحك فوزي مجاملةً، بينما كان في داخله شيء ينكسر، لكنه سكت. في الليل، جاء عمّال سالم وهدموا السور القديم، ثم أعادوا بناءه داخل أرض راضي. وفي الصباح، وقف عمّ راضي مذهولًا أمام المشهد، وصرخ في وج...

سنُّ المرأة

صورة
  عُمرُ المرأة ليس أرقامًا تُكتَب على الورق، بل حكايةُ ضوءٍ تُروى بلغةٍ لا يعرفها إلا من أبصرَ قلبها. في كلِّ سنٍّ منها فصلٌ من الجمال؛ في العشرين نضارةُ الورد، وفي الثلاثين وعيُ الزهر، وفي الأربعين حكمةُ النضج، وفي الخمسين فخامةُ التجربة، وما بعدَها عطرُ البقاء الأنيق. هي لا تكبر… بل تتجمّل بذكرياتها، وتزدادُ أنوثةً بطمأنينتها، وتغدو أكثر إشراقًا حين تتصالح مع ماضيها وتحتضن حاضرها كأنها تحتضن طفلتها الأولى. سنّها الحقيقي هو اللحظة التي تبتسم فيها بثقة، وتقول للعالم: "ما زلتُ أنا… مهما تغيّرتُ."

حديث الأيادي

صورة
  تلك الأيادي الصغيرة حين تُولَد، لا تعرف سوى القبض على الحياة، كأنها تخاف أن تفلت منها لحظة حب أو لمسة دفء. تكبر الأيادي معنا، تتعلم كيف تمنح، وكيف تُخبئ، وكيف تلوّح للراحلين بصمتٍ يشبه الدعاء. أيادٍ تزرع، وأخرى تكتب، وثالثة تمسح دمعةً دون أن تُسأل عن السبب. الأيادي لا تكذب؛ هي أكثر ما في الإنسان صدقًا. فاليد التي تُصافحك لا تُشبه اليد التي تتركك، واليد التي تكتب الشعر ليست كمن تُغلق الباب في وجه الضوء. في نهاية اليوم، تبقى الأيادي شاهدة علينا جميعًا... منّا من ترك دفئه في كفٍّ آخر، ومنّا من عاش عمره يلوّح للغائبين دون أن تُصافحه يد الرجوع.

حين تهزمني الظنون

صورة
بقلم : طاهرة الشامسية   حين تهزمني الظنون، أشعر أن قلبي يسير حافيًا على دروب الشك، وأن كل طمأنينة كنت أستظل بها، قد انهارت تحت وطأة السؤال… لماذا؟ لماذا يُصبح الوضوح نادرًا؟ ولماذا تنبت في المساحات البيضاء أشواك لا نراها إلا بعد أن تنغرس في وجداننا؟ أُصارع صوتًا داخليًّا يهمس لي بما لا أود سماعه…أحاور صمتي، فيخذلني بصدى الاحتمالات، ويكبلني برداء من التخمين، فأُغرق في دوامة لا بداية لها ولا نهاية، كأنني أركض نحو سراب، أعدو خلف وجه لم يعد لي، وخلف دفء كنت أظنه لا يرحل. الظنون قاسية، لا تحتاج إلى دليل، يكفيها غياب بسيط، أو كلمة مبتورة، أو نظرة غير مألوفة، فتبني فوقها ألف جدار من الريبة، وتحطم كل جسور الثقة، وتطفئ كل شموع الطمأنينة. حين تهزمني الظنون، لا أكون أنا، تتحول ابتسامتي إلى قناع، وصوتي إلى ارتباك، ونظري إلى بحثٍ دائم عن دليل يبرئ القلب مما يدور فيه. أكره هذا الشعور، أن تكون في حضرة من تحب، ولكنك في غربة عنه، أن ترى يديه تمتدان إليك، لكنك تشك إن كانت الدفء فيهما لا يزال لك. حين تهزمني الظنون، أُدرك كم أن الإنسان هش، وأن الثقة ليست مجرد كلمة تُمنح، بل جدارٌ يُرمم كل يوم، وأن الخ...

حين يعانق المطر الأرواح

صورة
بقلم الكاتبة :عبير سيف الشبلية دنا المساء فتدلى شيئًا فشيئًا حتى تلاشت الشمس بغروب عذب، وبدأ فصل الشتاء. أنارة الشوارع بددت الظلام في سكونه، وسرعان ما هربت النجوم وغاب القمر خلف الغيوم. أشم رائحة مطر قريب… صدحت الأرجاء بابتهالات السجود ودعوات عسى أن تُستجاب. مطر… مطر! صغار يحبون الركض في الشارع، حتى أنا قررت أن أمشي بقربهم وأدعوا ربي أن يسقط المطر. فشاركتهم اللعب والضحك، إلى أن تناهى لمسامعنا صوت حبات المطر المتساقطة. الكل يجري ويقفز لهوا، ومددت يدي لألمس الحبات بجنون. يا للروعة…! كم أعشق المطر! ومن لا يحب فصل الشتاء والمطر؟! تحت المطر، طمأنينة تسكن الأرواح وتتآلف القلوب. تمتزج الليالي بحكايات جميلة معلقة، جميعنا نترقب الليلة بجوارحنا، فيتراءى لي طيف جدتي يتنقل من الركن حتى نهاية "الليوان"، أراها تشدو بسمر "الحزاوي" القديمة. فنضحك بلهو وصراخ، سرعان ما ننصت بفضول وإثارة حينما تكمل قصصًا تلامس أعماقنا برعشة الترقب والأمل. يتناهى صوتها في أرجاء المكان. أرى يمينها الدافئة، حيث يتناول جدي فنجان القهوة فيتلمسه برضا إلى أن ينتهي بهزة الفنجان. لتعود وتهمس لأبي بسر، وسرعان م...

زغاريد على جرح القلب..الفصل السابع

صورة
تأليف: . فايل المطاعني    يُسرى قال الشيخ عبدالله بصوتٍ حادٍ تخلله العتاب: "يا بُنيّ، تركتَ بنات الحي وتمسّكتَ ببنتٍ عَجمية؟! أخبرني، بمَ تختلف عن جواهر أو نوف بنات عمّك سالم؟ أو عن لطيفة ويُسرى بنات عمّك سعيد؟" ثم صمت لحظةً وأردف ساخرًا: "لا... لا نريدها، فاسمها وحده يوحي بأنها ليست من أهل الدار. رحم الله أباها سعيد، كان مغرمًا بالسفر إلى مصر، ويبدو أنّ هواءه مصريٌّ منذ تلك الأيام!" كان جاسم يصغي إلى والده في صمتٍ واحترام، حتى أنهى حديثه، ثم قال بهدوءٍ وثبات: "يا أبي، غفر الله لك. أنسيت قول الله تعالى في كتابه الكريم، وأنّ لا فرق بين عربيٍّ ولا أعجميٍّ إلا بالتقوى؟ كلنا يا أبي أبناءُ تراب، وكلنا أبناءُ موت، وما من أحدٍ أفضل من الآخر إلا بعمله." تنهّد قليلًا ثم تابع: "خالتي كهرمانة امرأةٌ صالحة، تخاف الله، وتحفظ كتابه الكريم، ويُضرب بها المثل في الحشمة والوقار، وبناتها على خُطاها. أما أمل، فكانت زميلتي في الجامعة، وإن كنّا في كليتين مختلفتين، إلّا أننا نلتقي أحيانًا، فإذا سلّمتُ عليها بالكاد تردّ السلام من فرط حيائها. هي يا أبي فتاةٌ مهذّبة، طاهرةُ ال...

حين ذبلت الحديقة

صورة
بقلم : زينب علي درويش   في كل زاويةٍ من أرجاء حديقتها، كانت ترى وجهه يضحك، يشعّ نورًا يضيء لها عتمة القلب قبل الطريق. كانت لمساتُ حروفه على جراحها كالسحر، تُعيدها للحياة، تغمرها بحنان الحبيب، وتحميها بروح المقاتل. لكنّه ذات صباحٍ قرر الرحيل... دون وداعٍ ولا عودة. ومنذ ذلك الحين، ذبلت الورود في حديقتها، وذبلت معها روحها. كانت تمشي بين الزهور كما لو أنها تسير بين مقابر أحلامها، تصغي لصوت النسيم فتتوهمه همسَه القديم. كلُّ ورقةٍ تتساقط تُذكّرها بغيابه، وكلُّ شعاعِ شمسٍ يتسلل من بين الأغصان يشبه ضحكته البعيدة. حاولت أن تُقنع قلبها بأن الوقت كفيل بالنسيان، لكن الوقت صار مرآةً له، يعيد ملامحه في كل لحظة. وحين أقبل المساء، جلست على المقعد الذي كان يجلس عليه، تحدثه في صمتٍ، وتبتسم بحنينٍ خافت. أيقنت أن بعض الراحلين لا يرحلون حقًّا إنهم يسكنون تفاصيلنا إلى الأبد.

حين أغلق باب الحب

صورة
 بقلم : زينب علي درويش  لفترةٍ طويلةٍ ظنّت حالها أكبر من ذلك الكون المزدحم، لم ترَ في جمالها أنثى أخرى، ولو للحظةٍ عابرة، ولم يكن هناك رجلٌ يستحق أن يفوز بها يومًا. كانت أفكارها تشبه خيوط العنكبوت، متشابكة لكنها ضعيفة لا  تكتمل،إلى أن وقفت أمام باب الحب الذي لم يُفتح لها، رغم  إلحاحها، عندها أدركت أن الجمال لا يطرق الأبواب، وأن الحب لا يُمنح لمن يرى نفسه فوقه، بل لمن يتجرد  من  مرآته ويقف عاري القلب،في انتظار يدٍ تشبهه صدقًا لا مظهرًا..

تكوين روح الإبداع

صورة
  الإبداع ليس ومضة عابرة تولد من فراغ، بل هو روح تتكوّن وتتغذّى وتكبر في بيئة خصبة من الفكر والشعور والتجربة. روح الإبداع هي تلك الطاقة التي تدفع الإنسان إلى تجاوز المألوف، والبحث عن معنى جديد في الأشياء، وصناعة الجمال من تفاصيل الحياة اليومية. 1. البذرة الأولى: الفضول والمعرفة كل رحلة إبداعية تبدأ بسؤال. الفضول هو الشرارة التي توقظ الخيال، وتدفع صاحبه لاكتشاف ما وراء الحدود. حين يتعلّم الإنسان كيف يسأل، وكيف يبحث، فإنه يضع أول لبنة في بناء روحه الإبداعية. فالمعرفة ليست تراكمًا للمعلومات فحسب، بل هي أداة توسّع الأفق وتفتح أبواب الاحتمالات. 2. الخيال: جناح التحليق لا يمكن للإبداع أن يولد دون خيالٍ حرّ. الخيال هو القدرة على رؤية ما لا يُرى، وتحويل الفكرة إلى صورة، والصورة إلى تجربة، والتجربة إلى واقع. حين يمنح الإنسان نفسه حرية الحلم، يبدأ في خلق عوالم جديدة تتجاوز الواقع، ويعيد تشكيل الأشياء بطريقته الخاصة. 3. العزلة والتأمل: صوت الذات الخفيّ تتكوّن روح الإبداع في المساحات الهادئة التي يلتقي فيها الإنسان بذاته. فالإلهام لا يطرق الأبواب الصاخبة، بل يأتي حين يصمت الضجيج. التأمل يفتح ب...

زغاريد على جرح القلب ..الفصل السادس

صورة
تأليف : فايل المطاعني  " جاسم عبدالله" حلّ صباح الجمعة على المدينة، ومع عبير المساجد، كان الشيخ عبدالله يستعد للوقوف على منبره، يفكر في خطبة اليوم. عرف مسبقًا أن الأوقاف ستطلب منه ببساطة: أعد خطبة العام الماضي، فليس هناك جديد. فضحك الشيخ وهو يتأمل المصلين: – أظن أن المصلين سيعطوني الزكاة من كثرة حديثي عن الزكاة ولمن تجب… ابتسم وهو يتذكر العراقيل التي تواجه شباب اليوم، خاصة في موضوع الزواج. تذكر موقفًا طريفًا من الأسبوع الماضي، حيث جاءه شاب ملتزم وقال: – يا شيخ، خطبت من سبع بيوت وكلهم رفضوني، لأنني ملتزم. البنت تقول: لا أريد مطوعًا يعقدني. هز الشيخ رأسه قائلاً: – لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم… الله يهدي البنات. ثم همس لنفسه بابتسامة خفيفة: – يا ليت الشباب يعود يوما .... فجأة، طرق الباب ودخل جاسم، ابنه البكر، بخطوات مترددة: – السلام عليكم يا والدي. ابتسم الشيخ عبدالله وقال بحرارة: – وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته… أهلاً وسهلاً بالمهندس جاسم! ما الذي أتى بك الآن، للسلام فقط أم هناك أمر آخر؟ لمح الشيخ تردد ابنه، فاقترب منه قائلاً بنبرة حانية: – هل تريد الزواج؟ التفت جاس...

زغاريد على جرح القلب..الفصل الخامس: الحيرة

صورة
بقلم: فايل المطاعني رنّ هاتف عادل مرّاتٍ عدّة، واسم «أمل» يسطع على الشاشة، لكنّه لم يُجب… تركه يرنّ حتى خبا صوته. كان يحدّق في اللاشيء، كأنّ داخله معركة لا صوت فيها سوى الصمت. أغلقت أمل الهاتف بعد محاولاتٍ متكررة، ثم أرسلت له رسالة تقول: «عادل، لا أعلم ما الذي يجري، لكنّ الصمت أقسى من أيّ فراق. إن كنت غاضبًا، فكن صادقًا معي كما كنت دائمًا، ولا تجعل الغياب جوابًا.» قرأها أكثر من مرة، وضع الهاتف على الطاولة، وأسند رأسه إلى الكرسي. تسلّل صوت المطر من خلف الزجاج كهمسٍ مألوف، فتمتم بصوتٍ خافت: "حتى المطر اليوم يبدو حزينًا… كأنه يكتب رسائل نيابة عنّا." بعد لحظاتٍ من التردّد، رفع الهاتف واتصل بها. ردّت بسرعةٍ ممزوجة باللهفة والعتب:  – عادل… أخيرًا اتصلت! ظننتك رحلت دون كلمة. – (يتنفس بعمق) ما رحلت، لكنّي فقدت الطريق إلى الكلام. – الطريق إلى الكلام؟! أم إلى قلبي؟ – أمل، لا تسألي كثيرًا، فكل الأسئلة الآن تؤلمني. – وأنا؟ ألا يؤلمني هذا الغياب؟ هذا الغموض الذي يسكن صوتك؟ – صدقيني، لم أعد أعرف كيف أشرح ما لا يُشرح. – قلها صريحة إذن… هل ندمت لأنك عدت إليّ؟ – (يصمت طويلًا) لا، لكنّني خفت أ...

زغاريد على جرح القلب..الفصل الرابع

صورة
بقلم : فايل المطاعني   المشائخ الشيخ عبدالله: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، يا شيخ علي. الشيخ علي: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، يا شيخ عبدالله. تفضل، اجلس. الشيخ عبدالله: أطال الله عمرك، سأختصر الحديث احترامًا لوقتكم الثمين. أنتم في انشغالٍ دائم لخدمة الدين والعباد، جعل الله ذلك في ميزان حسناتكم. هزَّ الشيخ علي رأسه مرتين، وأدار مسبحته المطرّزة بالأحجار الكريمة بأصابعٍ مترفة، ثم ألقى نظرة سريعة على ساعته الـ«رولكس» الفاخرة وقال ببرودٍ محسوب: – جزاك الله خيرًا يا شيخ عبدالله، يعجبني فيك تقديرك للوقت وأدبك في الخطاب. والآن... ما الأمر؟ أوجز، فموعد بثّ برنامج الإفتاء قد اقترب، والمشاهدون بانتظارنا. الشيخ عبدالله: نعم، أعانك الله وسدّد خطاك، أنت من أهل العلم والفضل. الموضوع ببساطة: أحد الشباب الصالحين يرغب في الزواج، ويطلب مشورتك في أمرٍ يخص الخطبة القادمة... فقاطعه الشيخ علي سريعًا وهو يعتدل في جلسته: – يا شيخ عبدالله، سبق وذكرت في اجتماعنا الأخير أنّه لا يجوز جمع التبرعات للأفراد! نحن نوجّه التبرعات لدعم برامجنا في الخارج، خصوصًا في الفلبين، لتقوية روابط المحبة والإخاء الديني...

غدًا سيكون أجمل

صورة
بقلم : خليفة سالم الغافري هناك لحظات في الحياة نشعر فيها أن الليل طال أكثر مما ينبغي، وأن الحزن صار جزءًا من أنفاسنا. نغفو ونصحو على ذات الهموم، وننتظر بارقة أمل صغيرة تجعل القلب يطمئن بأن القادم أجمل. ورغم كل هذا، يبقى في داخلنا ذلك الصوت الخافت، ذلك الإيمان العميق الذي يقول لنا: غدًا سيكون أجمل. لسنا موعودين بسعادة مطلقة، ولا أمانٍ بلا خوف، ولكننا موعودون بالرحمة، بالقدرة على النهوض بعد السقوط، وبأن الزمن مهما طال سيغير ملامح الألم. قد يأتي الفرج في لحظة غير متوقعة، أو ربما يختار القدر أن تنتهي الحكاية كلها بسلامٍ حين تنتهي أعمارنا. لكن في كل الأحوال، نحن أمام خيارين لا ثالث لهما: إمّا أن نحيا حتى نرى جمال الغد، أو نموت وقد أُسدل الستار على كل الأحزان. إن جمال الفكرة ليس في النتيجة بقدر ما هو في السعي، في أن نُصرّ على الاستمرار في هذه الحياة مهما أثقلت الأيام ظهورنا. أن نحيا ونحن نزرع بذورًا صغيرة من الخير، حتى لو لم نقطف ثمارها نحن. أن نحب رغم الخيبات، ونحلم رغم الانكسارات، ونؤمن رغم العتمة. غدًا سيكون أجمل… لأننا نحن من يمنحه معنى الجمال. وإن لم يأتِ ذلك الغد الذي نحلم به، فلنكن نح...

مابين حضورك ونبضي

صورة
بقلم :عبير سيف الشبلية   مابين حضورك ونبضي  لا أريد إلا أن أراك أنت  أنظر جيدا أترى الجميع ؟ أنا أراك أنت فقط ..! ولا أريد إلا أن أراك .. في مناجاتي وسجودي كم دعوت ربي  أن يعيد النور إلى قلبي المطفأ.. وفي هذه البرهة القصيرة أتمنى أن يخلو العالم و أن أراك وحدك .. يا أيتها الدموع الساخنة .. دعيني أتزود منك ولو في لحظات عمري القصيرة .. هذا الليل ..أنا وقمري أراقبك بسكون .. أدعوك لنبحر سويا في عالمنا العذب ..فنتسامر  وأنت تحكي لي عن حكايات وصور وأضحك أنا بلهفة  الحنين والاشتياق .  ،،، يا ليل رفقا بقلوبنا ..  أغمض عيناي .. وتراءت لعيوني نسمات سحر تشدني إليك شعرت بك في أعماقي ..  أرى طيفك .. اقتربي   ولا تخافي وقد شاءت رحمة ربي لنا عمرا جديدا .. دعيني أعوض أياما وسنينا طويلات من آهات الحنين    فتتماوج أنفاسنا باللهفة والشجن.. كم أعشق نظراتك الحائرة .. وأظل أفتش في قسماتك .. فتنساب من ثغرك المواويل الدافئة.. فأترنم بها في مساءات الشتاء الحالمة ..  هدهدي روحي لعلي أغفو بين يديك

مجلس الحكواتي الادبي يستضيف الكاتبة العمانية مريم الشكيلية

صورة
  مريم الشكيلية بين البنفسج والكلمة .....حكاية لا تروى حتى تكتب  إعداد وتقديم: الأديب فايل المطاعني  "في البدء كانت الحكاية... وكانت الكلمة هي السفينة التي حملت أرواحنا نحو الضوء. وبين أمواج الحروف، يولد الأدب الحقيقي، وتبقى الأصوات الصادقة هي التي تكتبنا قبل أن نكتبها ."   في مجلسٍ يفيضُ بالحكايات، وتغشاه رائحة الحبر والعطر معًا، نفتح الليلة صفحة جديدة من مجلس الحكواتي الأدبي، نستضيف فيها قلمًا أنثويًّا ناعم الحضور، عميق الأثر، كتَبَ فاستمال القلوب، وتحدّث فأنصتت له العيون. هي الكاتبة العُمانية مريم الشكيلية؛ الصوت النثري الذي يشبه القصيدة حين تبتسم، والمقالة حين تتأمل، والرسالة حين تحنّ. كاتبة ومحررة في مجلة البنفسج الورقية، ومديرة مكتبها في سلطنة عُمان، وعضوة سابقة في الجمعية العمانية للكتاب والأدباء، تناثرت كلماتها في الصحف والمجلات والوكالات العربية، وحصدت الجوائز تقديرًا لحروفها المضيئة. نستضيفها اليوم لنتجوّل بين دفاترها، نسألها عمّا بين السطور، ونكشف عن سرّ اللغة التي تكتبها وتشبهها في الهدوء والدهشة. س١: من أين بدأت الحكاية يا مريم؟ كيف كانت البذرة الأولى ال...