المشاركات

وجه الحقيقة..حوض النيل.. معادلة الأمن المائي

صورة
  بقلم: د. إبراهيم شقلاوي   اختتم المجلس الأعلى للبيئة والترقية الحضرية والريفية بولاية الخرطوم أمس ملتقى تدريب الشباب لبناء القدرات وتحقيق التنمية المستدامة في حوض النيل، بمشاركة مسؤولين ومبادرات معنية بالبيئة والحكم المحلي. وناقش الملتقى تحديات إدارة المياه والتكيف مع التغيرات المناخية، وتعزيز التعاون بين دول الحوض، وتوسيع مشاركة الشباب والنساء في القرار .  في تقديري تكتسب هذه الفعالية أهمية كبيرة في هذه الظروف والتحولات التي تمر بها بلادنا وتمر بالمنطقة عموما ،اذ تتجاوز التدريب والتوعية، لتطرح سؤالاً استراتيجياً حول قدرة دول الحوض على تحويل الموارد المائية المشتركة من مجال لتباين المصالح إلى رافعة للتنمية والاستقرار. فالأمن المائي في حوض النيل لم يعد قضية فنية تتعلق بإدارة المياه وحدها، بل معادلة سياسية وتنموية تتداخل فيها اعتبارات السيادة والاحتياجات الاقتصادية والضغوط السكانية والمخاطر المناخية. وفي ظل تفاوت أولويات دول الحوض، تبرز الحاجة إلى مقاربات جديدة تعزز مفهوم التنمية المستدامة ، تقوم على الحوار وتبادل المعلومات والخبرات، وتطوير آليات عملية للتعاون، بما يوازن ...

على حافة الأفق

صورة
  بقلم الكاتبة:  ليلى حسين  كان "ليل" يلملم أطراف عباءته السوداء المطرّزة بالنجوم الفضية بثقلٍ ووقار، مستعداً للرحيل بعد ليلة طويلة ساهرة. جلس على صخرة الأفق الباردة، يتنفس بهدوء ورائحة الياسمين النائم تعطر ردائه. اقترب منه "نهار" بخطوات خفيفة ومرنة، يرتدي قميصاً من نور الذهب الخالص، وفي كفيه باقة من نسيم الصباح الدافئ. ابتسم "نهار" بصوت رقيق يملؤه الحماس، وقال بحنو:   "صباح الخير يا رفيق.. أتعبك سهر الليل الطويل مجدداً، أليس كذلك؟" التفت ليل نحو رفيقه، وبدت على محياه ملامح الراحة والرضا رغم إرهاقه، فأجاب بصوت عميق هادئ يشبه خرير المياه في سكون الغابة:  "أهلاً بك يا نهار.. أبداً، لم يكن تعباً بل كان أماناً. لقد غطيت الجميع بعباءتي، وهدأتُ روع القلوب المتعبة، وأرحتُ العيون من سخب النهار. أما آن لك أنت أيضاً أن تأخذ مساحتك؟" أومأ نهار برأسه، واقترب أكثر ليجلس مكانه على الصخرة الدافئة، ووضع يده على كتف ليل بحركة ودودة، قائلاً:   "حان دوري الآن يا صديقي. سأفتح النوافذ، وأوقظ الزهور لتتفتح، وأمنح العصافير أصواتاً تملأ الدنيا بهجة، وأدفع...

وجه الحقيقة..السودان وشروط السلام الصعب

صورة
  بقلم: د. إبراهيم شقلاوي رحّبت بعثة السودان لدى الأمم المتحدة في نيويورك الخميس في بيان صحفي  بقرار مجلس الأمن المتعلق بتمديد التدابير المفروضة بموجب القرار 1591 لمدة ستين يوماً، مع الإبقاء عليها في نطاقها الجغرافي ومضمونها القائمين. وأكد البيان أن الأولوية ينبغي أن تكون لتفعيل نظام العقوبات القائم وضمان احترامه وتنفيذه ومساءلة من ينتهكونه، بدلاً من توسيعه، معلناً استعداد السودان للانخراط بصورة بنّاءة في أي نقاش موضوعي لتعزيز فعاليته، بعيداً عن التسييس والانتقائية والمساواة بين الدولة ومؤسساتها الشرعية والمليشيات والجماعات المسلحة المرتزقة.  اللافت أن القرار جاء وسط خلاف دولي حول توسيع حظر السلاح ليشمل كامل البلاد، بما في ذلك الطائرات المسيّرة والتقنيات ذات الاستخدام المزدوج. وانتهى المجلس إلى تمديد نظام العقوبات حتى 11 ديسمبر، وولاية فريق الخبراء حتى 11 يناير 2027، دون حسم الخلاف بشأن التوسيع. لكن السؤال الذي يتجاوز تفاصيل القرار هو، هل يريد المجتمع الدولي إنهاء الحرب، أم إدارة توازناتها وتأجيل انفجارها إلى موعد آخر؟ هنا تبرز أهمية الرؤية السودانية التي تعلن الاستعداد ل...

رفيق درب صامت

صورة
بقلم: ليلى حسين     كان "سالم" رجلاً هادئاً، يميل بطبعه إلى العزلة الدافئة؛ يفضل كوب قهوة مرًّا في شرفة منزله على صخب العالم الخارجي. لكن سالم لم يكن وحيداً أبداً، فظله "ساري" كان رفيق دربه الوحيد والوفي. لم يكن ساري ظلاً عادياً ينعكس على الجدران بصمت ميكانيكي؛ بل كان كائناً حياً يحمل ملامح روح سالم الخفية. عندما كان سالم يبتسم لذكرى قديمة، كان ساري ينحني بخفة وكأنه يشاركه الضحكة. وفي الأيام التيث تثقل فيها الهموم كتفي سالم، كان ظلّه يرتخي على الأرض بوقار، ليخبره بلا كلمات: "أنا هنا.. أنا أحمل معك نصف الثقل". في إحدى الأمسيات الخريفية، جلس سالم كعادته تحت ضوء المصباح الخافت في غرفته، وخطرت بباله فكرة فضولية. التفت إلى ظله وقال بصوت دافئ : "يا ساري، طوال هذه السنين وأنت تتبع خطاي، ألا تملّ من المكوث في قاعي دائماً؟ ألا ترغب في أن تسبقني خطوة واحدة إلى الأمام؟" توقف الزمن برهة، وكأن الغرفة تنفست نفساً عميقاً. وللمرة الأولى، تحرك ساري بمعزل عن حركة جسد سالم؛ رفَع يده الداكنة وأشار إلى مقعد فارغ بجانبه، ثم جلس أمامه وجهاً لوجه! دهش سالم، لكنه لم ...

ليلة ساخرة

صورة
  بقلم : زينب على درويش  ليلةٌ ساخرةٌ أو ساحرة.. تراقصت قدماي مع نجومها، رفعتُ رأسي بين الغيوم، وأضحكتُ قلبي! يا أنغامَ شفاهي، صِلي الودَّ والحبَّ بين المحبين.. آمين. يا لَلعَجَبِ من الفراقِ الذي يفرّقُ بعد اللقاء! سخرتْ عيناي.. وسَكَنَتِ الوحدة، إنها ليلتي، وسأظلُّ كما أنا.. غارقاً في جمالِ ليلتي.

وجه الحقيقة..الخرطوم.. مدينة تم التآمر عليها

صورة
  بقلم: د. إبراهيم شقلاوي     بالأمس أرسل لي أحد الأصدقاء حلقة من برنامج" للقصة بقية" الذي تقدمه بقناة الجزيرة الإعلامية المميزة فيروز زياني، بعنوان "الخرطوم.. ترييف المدن". ورغم قِدمها، بدت الحلقة راهنة، فالخرطوم تضخمت لأنها حملت ثقل الدولة وتحدياتها . ولهذا لم يكن ثقلها مصدر قوة دائمًا، فقد جعلها أيضًا هدفًا للتآمر والاطماع ، فيما أسهمت العقوبات الأمريكية في إضعاف اقتصادها وإعاقة دورها. ومن هنا تبدو قصة الخرطوم جزءًا من قصة الدولة نفسها، وصراعها على وجودها ودورها ومستقبلها. كانت الحلقة تناقش انتقال الخرطوم من نصف مليون نسمة إلى عشرة ملايين، في ظاهرة ،تعبر عن اختلال التنمية بين المركز والأطراف. وقدم البرفسور العربي بوعياد قراءة أكاديمية للظاهرة، بينما بدأ حديث مجدي عبد العزيز، معتمد أم درمان آنذاك، أقرب إلى التبرير السياسي منه إلى مواجهة الأزمة. بما عكس جانباً من أزمة السلطة في تلك المرحلة، الميل إلى التعامل مع الحقائق باعتبارها مشكلة في الخطاب، لا مشكلة في الواقع. فالخرطوم لم تكن تستقبل الريف لأنها مدينة ساحرة، وإنما لأن الدولة جعلت منها مركزاً شبه وحيد للفرص وا...

مذكرات رجل مشاغب .. الولد الشقي سابقًا

صورة
بقلم: فايل المطاعني الحكواتي ذاكرة الماء والكرسي جلستُ ذات مساء على كرسي خشبي في مزرعة هادئة، أراقب الماء وهو يجري في قنواتها الصغيرة. لا أعرف لماذا اخترت ذلك الكرسي بالذات. ربما لأن الإنسان، كلما تقدم به العمر، يصبح أكثر ميلًا إلى الجلوس ومراقبة الأشياء التي كان يمر بجوارها في شبابه دون أن يمنحها لحظة تأمل. كان الماء يجري أمامي بهدوء، وأنا أراقبه وكأن بيني وبينه موعدًا قديمًا. وفجأة، وجدت نفسي أسأل: هل للماء ذاكرة؟ قد يبدو السؤال غريبًا… لكن الحكواتي، كما تعرفون، لا يترك سؤالًا غريبًا يمر من أمامه دون أن يطارده! ظللت أراقب الماء، وإذا بي أكتشف أنني لا أنظر إلى الماء أصلًا… كنت أنظر إلى طفولتي. فالماء لا يحمل الحياة فقط، بل يحمل أحيانًا صورًا من الماضي. ومع كل قطرة تمر أمام عيني، كانت صورة قديمة تظهر. وجه. مكان. صوت. مدرسة. صديق. مدينة. ثم وجدتني أعود سنوات طويلة إلى الوراء… إلى مدينة العين. كنا نسكن في منطقة زاخر بمدينة العين، تلك المدينة التي ارتبطت في ذاكرتي بالهدوء، وبحياة الشيوخ، وبأيام كان للوقت فيها طعم مختلف. كنت أدرس في مدرسة الشويفات الدولية في منطقة المناصير، ولا أدري إن كان...