المشاركات

بيننا دقائق

صورة
بقلم :  زينب على درويش  كانت الساعة الثانية ظهرًا، وحان وقت الرحيل. رفع اسورة قميصه الأبيض ليتفقد الساعة، يريد أن يتأكد أن أمامه ما يكفي من الوقت قبل أن يتحرك. لكن عقارب الساعة لا تتحرك. هزَّ ذراعه بعنف، وكأنه بذلك يستطيع إجبارها على السير. لم يكن يريد أن يتأخر؛ فاليوم تحديدًا، لم يكن هناك مجال لأي شيء غير محسوب. رفع الساعة إلى أذنه. لا صوت. إنها معطلة. رفع رأسه وصاح غاضبًا: ـ كم الساعة الآن؟ أجابه السكرتير بحذر: ـ الواحدة والنصف. أخذ شهيقًا عميقًا، وبدت على وجهه ملامح ارتياح قصيرة، قبل أن تعود نوبة الغضب من جديد. قذف الساعة في اتجاه السكرتير وقال: ـ أصلحها خلال خمس دقائق، لا تزيد ثانية واحدة. ولا أريد أي عذر. تسمَّر السكرتير في مكانه. ـ لست ساحرًا... اليوم الأحد، ولا يوجد محل واحد مفتوح لإصلاح الساعات. فتح درج مكتبه بسرعة، وأخرج ساعة جديدة كانت هدية عيد ميلاده. كان يحتفظ بها لنفسه، لكنه من شدة خوفه منه قرر أن يضحي بها اليوم. طرق الباب سريعًا، ودخل مبتسمًا، وقال بنبرة مازحة: ـ لم أتأخر ثانية واحدة. ثم مدَّ يده بالساعة. نظر الرجل إليها باستغراب: ـ ما هذه؟ ـ الساعة. ـ ساعة من؟ ـ...

عطش صنع الوهم

صورة
  بقلم: زينب على درويش  أغلق الخارطة، وحمل الأمتعة، وتأكد أن الماء معه؛ فهو لا يتحمل العطش كالطفل الصغير. وعلى بُعد خطوات، وكأن الشمس تقطع طريقه، حاملةً معها نيرانها الساخنة، سقط مغشيًّا عليه. إلى أن حلَّ الليل، وانخفضت حرارة رأسه، وبدأت مقلتاه تتحركان من جديد. مدَّ يده يتحسس أين هو، وأول ما اطمأن عليه كان قارورة الماء. لكنه وجدها فارغة. بكى كطفل فقد أمه، إلى أن شعر ببرودة الليل تسكن آلام جلده المحترق. تحسس بقدمه الرمال، فإذا بها باردة. همَّ واقفًا، في محاولة جادة للوصول إلى وجهته قبل أن ينتهي أجله في تلك المواجهة مع نيران الشمس، وهو بلا قطرة ماء. وأثناء زحف قدميه الضعيفتين، شعر بأن هناك أنفاسًا أو همسات قريبة منه. ليت القمر كان مرافقًا لي هذه الليلة! التفت، لكنه لا يرى كف يده. لكن الهمسات تقترب، والأنفاس تتسارع، ونبضات قلبه كالرعد. وقف مكانه حتى يتأكد مما يجري حوله. أهم بشر أم جن؟ أنا لست وحدي في تلك الصحراء... سأنادي، ويحدث ما يحدث. رفع رأسه، وبصوت مرتفع مرتعش في الوقت نفسه، قال:  من هنا بالقرب؟ وماذا تريد؟ وانتظر الإجابة... الثواني كأنها أيام، وبالفعل لم يُجب أحد على م...

لن أكون هنا

صورة
بقلم :  زينب على درويش  كان فاقدًا للوعي، لم يرها أو حتى يلمحها. وحين أفاق، انهالت عليه الأسئلة: ما شكلها؟ ما لون عينيها؟ هل بشرتها شفافة كما يقولون عنها؟ هل سمعت صوتها؟ هل تتحدث مثلنا؟ نهض وهو يحملق في تلك الوجوه المشتاقة إلى سماع أي حرف عنها، ثم جلس على الكرسي الهزاز، مبتسمًا. قال: " لم أرها، ولم أشم حتى عطرها... لكنني سمعت همساتها في أذني، بعد أن أخرجتني من بين الأمواج، ووضعت رأسي على الرمال الساخنة، وهي تقول: ستبقى حيًّا... لا تخف." ساد الصمت للحظات، ثم ارتفعت أصوات الجميع، وكأنها تهليلة لعودة غائب. لكن أحدهم سأل: «وماذا قالت أيضًا؟» أغمض عينيه، وكأنه يستعيد الهمسة من بعيد، ثم قال: «لا... لم تقل شيئًا.» توقف قليلًا، ثم أضاف: «آه... تذكرت. قالت: لن أكون هنا في المرة القادمة.» نزلت كلماتُه عليهم كالصاعقة. ماذا يعني هذا؟ هل ستغادر المدينة؟ ولماذا؟ هل هناك من أغضبها؟ وانهالت الأسئلة من جديد... أما هو، فظل جالسًا على الكرسي الهزاز، مبتسمًا، مغمض العينين. وكأنه الوحيد الذي فهم معنى تلك الجملة.

حوار مع الحكواتي فايل المطاعني بين الهندسة والأدب... حكاية رجل اختار أن يسكن الكلمات

صورة
  إعداد وحوار: الأديبة ليلى برادة – المغرب  السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته، أستاذي الفاضل، وأديبنا الكبير، الراوي والحكواتي الأستاذ فايل بن سريد المطاعني. أديبٌ عالي المقام، غنيّ عن التعريف، عاشقٌ متيّم بالأدب والتاريخ والقصص والحكايات. ومن خلال متابعتي لرواياتكم وأعمالكم الأدبية، علمت أن تخصصكم الدراسي كان علميًا، وأنكم مهندس، فكيف استسلمتم لجاذبية المسالك الأدبية، من شعر وقصة وحكاية ورواية؟ ج ـ بدايةً، أهلًا وسهلًا بالأديبة والشاعرة الجميلة ليلى برادة، ويسعدني هذا اللقاء الذي يجمعنا على مائدة الأدب والكلمة. أما عن سؤالك، فأعتقد أن الإنسان لا يختار دائمًا ما يحب، أحيانًا يكون الحب قد اختاره منذ البداية. درست الهندسة، وعملت في مجال علمي، وما زلت أؤمن بأن العلم والهندسة يمنحان الإنسان عقلًا منظمًا وطريقة مختلفة في النظر إلى الأشياء، لكن الأدب كان يسكنني منذ طفولتي. منذ الصغر كنت عاشقًا للقراءة، مولعًا بالشعر، ومفتونًا بالحكايات والتاريخ. كنت أجد نفسي بين الكتب أكثر مما أجدها في أي مكان آخر. الهندسة كانت تخصصًا دراسيًا ومهنيًا، أما الأدب فكان حالة عشق. ولذلك لم أشعر يومًا...

أَلهِمي قلمي

صورة
  بقلم / سليمان كامل أردت أن..............أصوغكِ قصيداً فاستعصى على.........فكري القلم وبدا وكأنني..................لك ظالمٌ وقلمي يدعو..........على من ظلم فلا المعاني.............تَسعكِ جمالاً ولا القوافي............تحتمل الكلم وكأن بحري........في نظم الهوي ضحلٌ ماؤهُ...............ولا يستقم وغارت قصائد........العشق التي خطَّها العاشقون......وزادت نِقم  ألايحتويك............قصيد عشق فقد بلغتِ..............الجمال قمم تقاصرت حروف...العشاق عنكِ وأجهدهم حُسنكِ..بلاغة ونظم تَدَلِّي قليلاً..............لعلي أخطكِ بحرف غزل...............قولي نعم فالأذن تشتاق..........منكِ الرضا فيه الدلال...............وحلو النغم والعين تهفو............منكِ لنظرة بها يشتعل.........الحنين والهمم فأخطُّ مالم...........يخطه غيري بمداد عشقي.........قصيداً عقم 

مذكرات رجل مشاغب... الولد الشقي سابقًا..من الصعب أن تكون أبًا.. الجزء الثاني: سعود

صورة
  بقلم: فايل المطاعني الحكواتي هناك أشياء في الحياة لا تحتاج إلى أن تتعلمها من كتاب، ولا تحتاج إلى دورة تدريبية، ولا حتى إلى نصائح الأصدقاء… الأبوة واحدة منها. تستيقظ ذات صباح لتكتشف أن هناك إنسانًا صغيرًا جاء إلى الدنيا، يحمل شيئًا من ملامحك، وربما شيئًا من عنادك أيضًا، وهنا تبدأ المصيبة الجميلة! تبدأ تنظر إليه وكأنك اكتشفت للتو أن لك نسخة مصغرة منك، ولكن المشكلة أن هذه النسخة لا تأتي معها تعليمات تشغيل، ولا ضمان، ولا حتى زر لإعادة ضبط المصنع! تلك اللحظة التي تسمع فيها كلمة «أبي» لأول مرة، تشعر أن الدنيا كلها أصبحت أجمل… ثم بعد سنوات تكتشف أن كلمة «أبي» لها استخدامات متعددة؛ مرة للحنان، ومرة للطلبات، ومرة عندما تكون هناك مشكلة، ومرة عندما يريد الابن شيئًا وأنت تعرف أن الإجابة ستكون: «لا»! لكن قبل كل ذلك، هناك لحظة لا تشبه أي لحظة أخرى… لحظة ميلاد الطفل الأول. وهنا بدأت حكايتي مع سعود. حالي حال أي رجل ينتظر مولوده الأول بفارغ الصبر، وعندما جاء سعود فرحت، بل طرت من الفرحة. شعور الأبوة شعور لا يوصف، تشعر فجأة أن هناك روحًا صغيرة أصبحت جزءًا منك، وأن مسؤوليتك لم تعد تجاه نفسك فقط، وإن...

مذكرات رجل مشاغب..من الصعب أن تكون أبًا! .. الجزء الاول

صورة
بقلم: فايل المطاعني الحكواتي. الولد الشقي سابقًا من أجمل فترات العمر فترة الأبوة... فالأبوة لها طعم خاص، وما إن تصبح أبًا حتى تشعر أن هناك امتدادًا لك، روحًا صغيرة تحمل اسمك، وتكبر أمام عينيك يومًا بعد يوم. تجلس أحيانًا تتأمل ذلك المخلوق الصغير، وهو نائم، فتقول في نفسك: «معقول هذا أنا؟!» ثم تنظر إلى فاتورة الحليب والحفاضات وتقول: «لا... هذا أكيد مشروع تجاري مستقل!»  ولكن، وقبل أن يصل الإنسان إلى مرحلة الأبوة، هناك مرحلة أخرى لا يتحدث عنها أحد كثيرًا... وهي مرحلة الانتظار! وهنا تبدأ الحكاية... بعد دفع المهر، وإتمام الزواج، والفرح الذي كان فعلًا فرحًا أنيقًا، حضره الأهل والأحبة والأصدقاء، عدنا إلى حياتنا الطبيعية. وبعد شهر تقريبًا بدأت الأسئلة تنهال من كل اتجاه: — ها... متى سوف يأتي سعود؟ وأنا في داخلي أقول: «يا جماعة الخير، اصبروا شوي! الرجال توه متزوج!»  ولا أدري لماذا كان الجميع يفترض أن أول مولود يجب أن يكون ولدًا! مع أنني أحب البنات كثيرًا، فالبنات أزهار البيت، وهنّ من يضفن للبيت تلك الروح الجميلة. مر شهر... وشهران... وثلاثة أشهر... ولا توجد بوادر حمل. وهنا بدأت الأخبار تنت...