المشاركات

وفي رائحة القهوة العربية تختبئ الذكريات

صورة
بقلم / عبير سيف الشبلية .  تململت جدتي بنظرة لوم ثم عتاب وانتهاء بصمت مطبق وإغلاق حوار الفضول إلى الأبد. يبدو أن صبرها نفد ولم تعد بها طاقة كافية للشرح أو التبرير. وهذا إعلان رسمي لي بالانسحاب وأن هذا الحوار الجدلي لن يغير من الواقع شيئا.  كنت طفلة فضولية و كثيرا ما يخطر ببالي ذات السؤال.. : ما سر القهوة؟ وهل مذاقها بطعم السكر مثلما كانت تقول جدتي ؟! أذكر أنها  في أحد المرات جاوبتني بابتسامة فيشع من وجهها أمانا ، وتجاعيد ناعمة تكسبها وقارا وجمالا : لكنها لن تعجبك لذلك أحذرك من الاقتراب ! وبفضول طفولي مثير للأعصاب.. قلت لها: إذا لماذا هي الرفيقة والمؤنسة وتزهوا بها مجالسكم؟!  تململت جدتي ثم رمقتني بنظرة ووجب علي الصمت.  ومن يومها لم أجرؤ على الاقتراب من دلة قهوة. ولازال السؤال معلقا دون جواب. وإن سألتموني : شرارة الفضول بداخلي لم تهدأ ، وبي من الدهشة والاستغراب ما جعلني أتوق للاقتراب و التعرف  ب سر  " قهوة عربية " بنكهة مرة تفوح منها رائحة توابل عطرية تأسر الأنفاس.  في أحد المرات قال لي أبي : أن القهوة العربية جزء لا يتجزأ من قيمنا العربية وهي رمز ...

وجه الحقيقة..عودة الباسل بابكر..

صورة
  بقلم : د. إبراهيم شقلاوي "بجر القول والشكر لي الباسل بابكر" بهذه الكلمات خلدت الشاعرة السودانية زينب بابكر عبد الله الشوبلي سيرة جدها العمدة البخيت بابكر ضحوي، المعروف بـ"الباسل بابكر" . وهناك خلاف بين أهل التراث، حول النطق الصحيح للاسم، فمنهم من ينطقه بالسين، الباسل ، دلالةً على الشجاعة والبأس، ومنهم من يرى أن الأصح بالذال، الباذل، بما تعنيه من الجود والكرم والعطاء. على أية حال، فإن ما يعنينا في هذا المقال كلا المعنيين في القصيدة التي تجاوزت حدود المدح والفروسية لتصبح تعبيراً عن قيمة إنسانية وسلوك اجتماعي ظل ملازماً لأهل السودان عبر التاريخ. فالباسل والباذل في الوجدان السوداني ليس مجرد فارس يشهر سيفه، وإنما إنسان يحمل عن الآخرين أعباءهم، ويغيث المحتاج، ولا يتخلى عن رفيقه حين تضيق السبل. إنها ثقافة النجدة والتكافل التي صنعت تماسك المجتمع في أزمنة الشدة، وما زالت تمنحه القدرة على الصمود أمام التحديات . نستدعي هذه القيمة اليوم، لتذكير الحكومة بأن إدارة الدولة في أوقات الأزمات تحتاج إلى استحضار هذه المعاني. فالسودانيون الذين واجهوا الحرب وتداعياتها، وتحملوا النزوح و...

أيام الشتاء

صورة
  بقلم الكاتبة ليلى حسين كانت الشمس في ذلك الصباح الخريفي المائل للبرودة تلملم أذيالها الصفراء، وتلقي بنظرة وداع دافئة على نوافذ البيت العتيق. في ركن الغرفة، كان "شتاء" يستعد على أطراف أصابعه؛ ارتدى معطفه الرمادي المصنوع من سحب بيضاء ناعمة، وعلق على كتفه حقيبة ملأها برائحة المطر الطازج، ونسيم بارد يحمل معه حنين الحكايات. اقترب من النافذة الزجاجية، ونفخ نَفَثَاتٍ خفيفة رسمت لوحات بيضاء رقيقة، ثم ابتسم وهو يراقب أهل البيت وهم يتحركون في عجالة محببة. في المطبخ، كانت الأم قد فتحت خزانة الأواني القديمة، وأخرجت تلك الأكواب الفخارية العميقة المخصصة للشاي الساخن. تفوح من الغرفة الآن رائحة القرفة والهيل واليانسون، كأنما هي تحية ترحيب صامتة بالضيف القادم. الأب من جانبه، كان ينفض الغبار عن السجادة الوثيرة السميكة، ويفرشها في غرفة المعيشة لتكون واحة دافئة تجتمع حولها الأقدام المتعبة في نهاية النهار. أما الصغار، فكانت عيونهم تلمع بحماس بالغ. لقد أخرجوا من خزائنهم المعاطف الملونة، والأوشحة الصوفية التي نسجتها جدتهم بحب، وكأنهم يرتدون ألوان الفرح في وجه البرد. ركض الصغير نحو النافذة وقال لأ...

مذكرات رجل مشاغب..حكاية صلاة استخارة

صورة
بقلم: فايل المطاعني / الحكواتي أيها السادة… ليست كل الحكايات تبدأ ببطولة، ولا كل القصص تحتاج إلى سيفٍ وخيلٍ ومعركة حتى تستحق أن تُروى. بعض الحكايات تبدأ بأغنية… أغنية تشقُّ القلب كما يشقُّ السهم صدر الغزال، وتعيدك إلى زمن كنت فيه أكثر براءة، وأكثر جنوناً، وأقل خبرةً بالحياة. وفي الحب تحديداً، لا تسألوا عن الخبرة؛ فبعضنا يتخرّج من الجامعة، ويحصل على الشهادات العليا، ثم يسقط في أول امتحان عاطفي سقوطاً لا تنفع معه حتى الدروس الخصوصية! أما أنا، الحكواتي، فقد تعلّمت مع مرور الأيام أن الحب لا يعترف بالشهادات، وأن القلب إذا قرر أن يتورط، فلن تنفع معه نصائح الأصدقاء، ولا تحذيرات العقلاء، ولا حتى اجتماعات مجلس الأمن! ولكن دعونا من فلسفتي التي لا تطعم خبزاً، وتعالوا إلى الحكاية. في تلك الليلة، جلست أنا وصديقي محمد تاج السر نستمع إلى أغنية للفنان السوداني الكبير محمد وردي، أغنية «محدثي من اختارها». كان محمد قد اختار الأغنية بعناية، وكأنه يختار شاهداً على قضية قديمة لم يصدر القضاء فيها حكمه بعد. كان يدندن مع اللحن، ثم يسكت، ثم يعود إلى الدندنة. أما أنا، فكنت أراقبه من طرف عيني. كان صوته يرتجف بين ...

وجه الحقيقة..حوض النيل.. معادلة الأمن المائي

صورة
  بقلم: د. إبراهيم شقلاوي   اختتم المجلس الأعلى للبيئة والترقية الحضرية والريفية بولاية الخرطوم أمس ملتقى تدريب الشباب لبناء القدرات وتحقيق التنمية المستدامة في حوض النيل، بمشاركة مسؤولين ومبادرات معنية بالبيئة والحكم المحلي. وناقش الملتقى تحديات إدارة المياه والتكيف مع التغيرات المناخية، وتعزيز التعاون بين دول الحوض، وتوسيع مشاركة الشباب والنساء في القرار .  في تقديري تكتسب هذه الفعالية أهمية كبيرة في هذه الظروف والتحولات التي تمر بها بلادنا وتمر بالمنطقة عموما ،اذ تتجاوز التدريب والتوعية، لتطرح سؤالاً استراتيجياً حول قدرة دول الحوض على تحويل الموارد المائية المشتركة من مجال لتباين المصالح إلى رافعة للتنمية والاستقرار. فالأمن المائي في حوض النيل لم يعد قضية فنية تتعلق بإدارة المياه وحدها، بل معادلة سياسية وتنموية تتداخل فيها اعتبارات السيادة والاحتياجات الاقتصادية والضغوط السكانية والمخاطر المناخية. وفي ظل تفاوت أولويات دول الحوض، تبرز الحاجة إلى مقاربات جديدة تعزز مفهوم التنمية المستدامة ، تقوم على الحوار وتبادل المعلومات والخبرات، وتطوير آليات عملية للتعاون، بما يوازن ...

على حافة الأفق

صورة
  بقلم الكاتبة:  ليلى حسين  كان "ليل" يلملم أطراف عباءته السوداء المطرّزة بالنجوم الفضية بثقلٍ ووقار، مستعداً للرحيل بعد ليلة طويلة ساهرة. جلس على صخرة الأفق الباردة، يتنفس بهدوء ورائحة الياسمين النائم تعطر ردائه. اقترب منه "نهار" بخطوات خفيفة ومرنة، يرتدي قميصاً من نور الذهب الخالص، وفي كفيه باقة من نسيم الصباح الدافئ. ابتسم "نهار" بصوت رقيق يملؤه الحماس، وقال بحنو:   "صباح الخير يا رفيق.. أتعبك سهر الليل الطويل مجدداً، أليس كذلك؟" التفت ليل نحو رفيقه، وبدت على محياه ملامح الراحة والرضا رغم إرهاقه، فأجاب بصوت عميق هادئ يشبه خرير المياه في سكون الغابة:  "أهلاً بك يا نهار.. أبداً، لم يكن تعباً بل كان أماناً. لقد غطيت الجميع بعباءتي، وهدأتُ روع القلوب المتعبة، وأرحتُ العيون من سخب النهار. أما آن لك أنت أيضاً أن تأخذ مساحتك؟" أومأ نهار برأسه، واقترب أكثر ليجلس مكانه على الصخرة الدافئة، ووضع يده على كتف ليل بحركة ودودة، قائلاً:   "حان دوري الآن يا صديقي. سأفتح النوافذ، وأوقظ الزهور لتتفتح، وأمنح العصافير أصواتاً تملأ الدنيا بهجة، وأدفع...

وجه الحقيقة..السودان وشروط السلام الصعب

صورة
  بقلم: د. إبراهيم شقلاوي رحّبت بعثة السودان لدى الأمم المتحدة في نيويورك الخميس في بيان صحفي  بقرار مجلس الأمن المتعلق بتمديد التدابير المفروضة بموجب القرار 1591 لمدة ستين يوماً، مع الإبقاء عليها في نطاقها الجغرافي ومضمونها القائمين. وأكد البيان أن الأولوية ينبغي أن تكون لتفعيل نظام العقوبات القائم وضمان احترامه وتنفيذه ومساءلة من ينتهكونه، بدلاً من توسيعه، معلناً استعداد السودان للانخراط بصورة بنّاءة في أي نقاش موضوعي لتعزيز فعاليته، بعيداً عن التسييس والانتقائية والمساواة بين الدولة ومؤسساتها الشرعية والمليشيات والجماعات المسلحة المرتزقة.  اللافت أن القرار جاء وسط خلاف دولي حول توسيع حظر السلاح ليشمل كامل البلاد، بما في ذلك الطائرات المسيّرة والتقنيات ذات الاستخدام المزدوج. وانتهى المجلس إلى تمديد نظام العقوبات حتى 11 ديسمبر، وولاية فريق الخبراء حتى 11 يناير 2027، دون حسم الخلاف بشأن التوسيع. لكن السؤال الذي يتجاوز تفاصيل القرار هو، هل يريد المجتمع الدولي إنهاء الحرب، أم إدارة توازناتها وتأجيل انفجارها إلى موعد آخر؟ هنا تبرز أهمية الرؤية السودانية التي تعلن الاستعداد ل...