المشاركات

رَسالةُ الخريفِ المَلْفُوفة

صورة
  بقلم: ليلى حسين   كانتْ الشَمسُ تَنسحبُ بنعومةٍ خلفَ التلال، صابغةً السماءَ بألوانِ المِشمشِ واليَقطينِ. في تلكَ اللحظة، لمْ تَكنْ سارة بحاجةٍ إلى ساعةٍ لتَعرفَ أنَّ وقتها المُفضَّل قد حانَ. جَلستْ على شُرفَتِها الخشبيةِ القديمة، مُلفوفةً ببطانيَّةٍ صوفيةٍ ناعمةٍ بِلونِ الكراميل، كانَتْ قد ورثتها عن جدَّتِها. أحستْ بالدفءِ المألوفِ يَغمرُ كَتفيْها. بَينَ يديها، كانَ كوبُ عصيرِ التفاحِ الساخنِ والمُتَّبل يُرسلُ خيوطًا منَ البُخارِ تَتراقصُ في الهواءِ البارد. أغمضتْ سارة عيْنيْها لِلحظةٍ، مَسحتْ شعرَها الذي جَمعتْهُ في كَعكةٍ فَوضويةٍ، وتَنفستْ عَميقًا. كانتْ رائحةُ الخريفِ تَمْلأُ المكانَ؛ مزيجٌ منَ الأوراقِ الجافةِ المتساقطة، ورائحةِ القِرفةِ من كُوبها، ودفءِ الشَمْعَتينِ في الفانوسيْنِ العتيقيْنِ على جانبيْها. على خَشبِ الشُرفَةِ، كانتْ بعضُ حَبَّاتِ اليَقطينِ الصغيرةِ وعددٌ قليلٌ من أوراقِ الشَجَرِ الذهبيةِ تَتراكمُ، في تَرتيبٍ فَوضويٍّ جميلٍ صَنعَتْهُ الطبيعة. نَظرتْ سارة إلى الوادي المُمتدِّ أمامَها، حيثُ تَتغيَّرُ ألوانُ الغابةِ من الأخضرِ إلى مَزيجٍ ساحرٍ من الأحمرِ وا...

وجه الحقيقة..لجنة التهيئة.. إلى إدارة الحوار؟

صورة
  بقلم: إبراهيم شقلاوي من خلال متابعتي لأعمال لجنة تهيئة الحوار السوداني ، يتضح أن اللجنة راكمت رصيداً مهماً من الاتصالات بالقوى السياسية والمجتمعية، ووسّعت انفتاحها على الأطراف الإقليمية والدولية. ويضع هذا التقدم اللجنة أمام ضرورة الانتقال من مرحلة التهيئة إلى إدارة الحوار، عبر تحويل ما تحقق إلى مسار سياسي واضح المراحل والمواقيت، يستند إلى خارطة طريق تنقل الحوار من النوايا إلى الفعل، ومن الاتصالات إلى النتائج.  نجحت اتصالات اللجنة بالاتحاد الإفريقي والاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة الأمريكية ومجموعة الخماسية، إلى جانب عدد من الدول العربية والأوروبية. وتمثل دعوة رئيس بوروندي، الرئيس الحالي للاتحاد الأفريقي، اللجنة لزيارة بلاده، بالتزامن مع طرحه مبادرة للحل السياسي، فرصة لتعزيز التشاور. غير أن اهمية هذا النجاح، تظل مرهونة بقدرته على إسناد مسار وطني يمتلكه السودانيون، ويحددون أولوياته ومراحله ومآلاته، مع توظيف الدعم الخارجي دون المساس باستقلال قرار البلاد.  فالدعم الخارجي مطلوب لكنه ،لا يصنع توافقاً  بالنيابة عن السودانيين، مثلما أن كثرة اللقاءات لا تعني بالضرورة الا...

المرأة العمانية: شريكة البناء وصانعة المجد

صورة
  زينب على درويش   بكل فخر واعتزاز، نحتفي اليوم بـ يوم المرأة العمانية (الـ 17 من أكتوبر)، المناسبة الغالية التي تتجدد فيها مسيرة العطاء والريادة، لنقف إجلالاً واحتراماً لتجرية رائدة ومضيئة أثبتت فيها المرأة العمانية أنها ركن أساسي في نهضة الوطن وشريك حقيقي في صنع مستقبله. إن هذا اليوم ليس مجرد احتفال رمزي، بل هو وسام شرف وتقدير سامٍ توجت به المرأة العمانية منذ فجر النهضة المباركة، وتواصل دعمه ورعايته حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم -حفظه الله ورعاه-، إيماناً بأن تمكين المرأة واستثمار طاقاتها هو استثمار في حاضر الوطن ومستقبله. لقد ضربت المرأة العمانية أروع الأمثلة في التفاني والتميز في شتى المجالات؛ فهي الأم المربية التي تصنع أجيالاً تعشق الوطن، وهي الطبيبة والمعلمة والمهندسة والباحثة، وهي القيادية التي تقلدت أرقى المناصب الإدارية والتشريعية والدبلوماسية، لتثبت كفاءة عالية وعزيمة لا تلين في رفع راية سلطنة عمان خفاقة في المحافل الإقليمية والدولية. أيتها المرأة العمانية المعطاءة.. في عيدكِ، نقول لكِ: شكراً لكل خطوة تركتِ أثراً، ولكل جهد بذلتِهِ لرفعة هذا البلد الأم...

وفي رائحة القهوة العربية تختبئ الذكريات

صورة
بقلم / عبير سيف الشبلية .  تململت جدتي بنظرة لوم ثم عتاب وانتهاء بصمت مطبق وإغلاق حوار الفضول إلى الأبد. يبدو أن صبرها نفد ولم تعد بها طاقة كافية للشرح أو التبرير. وهذا إعلان رسمي لي بالانسحاب وأن هذا الحوار الجدلي لن يغير من الواقع شيئا.  كنت طفلة فضولية و كثيرا ما يخطر ببالي ذات السؤال.. : ما سر القهوة؟ وهل مذاقها بطعم السكر مثلما كانت تقول جدتي ؟! أذكر أنها  في أحد المرات جاوبتني بابتسامة فيشع من وجهها أمانا ، وتجاعيد ناعمة تكسبها وقارا وجمالا : لكنها لن تعجبك لذلك أحذرك من الاقتراب ! وبفضول طفولي مثير للأعصاب.. قلت لها: إذا لماذا هي الرفيقة والمؤنسة وتزهوا بها مجالسكم؟!  تململت جدتي ثم رمقتني بنظرة ووجب علي الصمت.  ومن يومها لم أجرؤ على الاقتراب من دلة قهوة. ولازال السؤال معلقا دون جواب. وإن سألتموني : شرارة الفضول بداخلي لم تهدأ ، وبي من الدهشة والاستغراب ما جعلني أتوق للاقتراب و التعرف  ب سر  " قهوة عربية " بنكهة مرة تفوح منها رائحة توابل عطرية تأسر الأنفاس.  في أحد المرات قال لي أبي : أن القهوة العربية جزء لا يتجزأ من قيمنا العربية وهي رمز ...

وجه الحقيقة..عودة الباسل بابكر..

صورة
  بقلم : د. إبراهيم شقلاوي "بجر القول والشكر لي الباسل بابكر" بهذه الكلمات خلدت الشاعرة السودانية زينب بابكر عبد الله الشوبلي سيرة جدها العمدة البخيت بابكر ضحوي، المعروف بـ"الباسل بابكر" . وهناك خلاف بين أهل التراث، حول النطق الصحيح للاسم، فمنهم من ينطقه بالسين، الباسل ، دلالةً على الشجاعة والبأس، ومنهم من يرى أن الأصح بالذال، الباذل، بما تعنيه من الجود والكرم والعطاء. على أية حال، فإن ما يعنينا في هذا المقال كلا المعنيين في القصيدة التي تجاوزت حدود المدح والفروسية لتصبح تعبيراً عن قيمة إنسانية وسلوك اجتماعي ظل ملازماً لأهل السودان عبر التاريخ. فالباسل والباذل في الوجدان السوداني ليس مجرد فارس يشهر سيفه، وإنما إنسان يحمل عن الآخرين أعباءهم، ويغيث المحتاج، ولا يتخلى عن رفيقه حين تضيق السبل. إنها ثقافة النجدة والتكافل التي صنعت تماسك المجتمع في أزمنة الشدة، وما زالت تمنحه القدرة على الصمود أمام التحديات . نستدعي هذه القيمة اليوم، لتذكير الحكومة بأن إدارة الدولة في أوقات الأزمات تحتاج إلى استحضار هذه المعاني. فالسودانيون الذين واجهوا الحرب وتداعياتها، وتحملوا النزوح و...

أيام الشتاء

صورة
  بقلم الكاتبة ليلى حسين كانت الشمس في ذلك الصباح الخريفي المائل للبرودة تلملم أذيالها الصفراء، وتلقي بنظرة وداع دافئة على نوافذ البيت العتيق. في ركن الغرفة، كان "شتاء" يستعد على أطراف أصابعه؛ ارتدى معطفه الرمادي المصنوع من سحب بيضاء ناعمة، وعلق على كتفه حقيبة ملأها برائحة المطر الطازج، ونسيم بارد يحمل معه حنين الحكايات. اقترب من النافذة الزجاجية، ونفخ نَفَثَاتٍ خفيفة رسمت لوحات بيضاء رقيقة، ثم ابتسم وهو يراقب أهل البيت وهم يتحركون في عجالة محببة. في المطبخ، كانت الأم قد فتحت خزانة الأواني القديمة، وأخرجت تلك الأكواب الفخارية العميقة المخصصة للشاي الساخن. تفوح من الغرفة الآن رائحة القرفة والهيل واليانسون، كأنما هي تحية ترحيب صامتة بالضيف القادم. الأب من جانبه، كان ينفض الغبار عن السجادة الوثيرة السميكة، ويفرشها في غرفة المعيشة لتكون واحة دافئة تجتمع حولها الأقدام المتعبة في نهاية النهار. أما الصغار، فكانت عيونهم تلمع بحماس بالغ. لقد أخرجوا من خزائنهم المعاطف الملونة، والأوشحة الصوفية التي نسجتها جدتهم بحب، وكأنهم يرتدون ألوان الفرح في وجه البرد. ركض الصغير نحو النافذة وقال لأ...

مذكرات رجل مشاغب..حكاية صلاة استخارة

صورة
بقلم: فايل المطاعني / الحكواتي أيها السادة… ليست كل الحكايات تبدأ ببطولة، ولا كل القصص تحتاج إلى سيفٍ وخيلٍ ومعركة حتى تستحق أن تُروى. بعض الحكايات تبدأ بأغنية… أغنية تشقُّ القلب كما يشقُّ السهم صدر الغزال، وتعيدك إلى زمن كنت فيه أكثر براءة، وأكثر جنوناً، وأقل خبرةً بالحياة. وفي الحب تحديداً، لا تسألوا عن الخبرة؛ فبعضنا يتخرّج من الجامعة، ويحصل على الشهادات العليا، ثم يسقط في أول امتحان عاطفي سقوطاً لا تنفع معه حتى الدروس الخصوصية! أما أنا، الحكواتي، فقد تعلّمت مع مرور الأيام أن الحب لا يعترف بالشهادات، وأن القلب إذا قرر أن يتورط، فلن تنفع معه نصائح الأصدقاء، ولا تحذيرات العقلاء، ولا حتى اجتماعات مجلس الأمن! ولكن دعونا من فلسفتي التي لا تطعم خبزاً، وتعالوا إلى الحكاية. في تلك الليلة، جلست أنا وصديقي محمد تاج السر نستمع إلى أغنية للفنان السوداني الكبير محمد وردي، أغنية «محدثي من اختارها». كان محمد قد اختار الأغنية بعناية، وكأنه يختار شاهداً على قضية قديمة لم يصدر القضاء فيها حكمه بعد. كان يدندن مع اللحن، ثم يسكت، ثم يعود إلى الدندنة. أما أنا، فكنت أراقبه من طرف عيني. كان صوته يرتجف بين ...