الضباب الازرق

 بقلم : المبدع الصغير 

كان يا ما كان، في سالف العصر والأوان، خلف جبال "الضباب الأزرق" التي لم يطأها إنس ولا جان، كان هناك نهرٌ ليس كباقي الأنهار، يدعى "نهر الفيروز السائل".

لم يكن ماؤه ماءً عادياً، بل كان مزيجاً من ضياء النجوم المذابة ودموع الأرض الفرحة. وتقول الأسطورة إن النهر كان مسحوراً يملك وعياً خاصاً؛ فكان ينساب عذباً رقراقاً لمن نقى قلبه، ويتحول إلى سيلٍ جارفٍ مالحٍ كالبحر لكل من حمل في صدره غلاً أو طمعاً.

 حارسة النهر والعهد القديم

في بقعةٍ خفية تلتقي فيها مياه النهر بشلالات "الفضة"، عاشت طيلة قرون روحٌ حارسة تُدعى **"أستريا"**. كانت أستريا كائناً من نور وماء، تهمس للنهر فيغني، وتجدل ضفائرها من زبده الأبيض.

كان للنهر قانونٌ واحد مكتوب على صخرةٍ من العقيق عند منبعه:

 "خُذْ منه ما يروي ظمأك، ودعْ منه ما يروي الحياة. من طمع في امتلاك المجرى، غرق في قاعه بلا أثر."


لعقود طويلة، عاشت القبائل المجاورة على ضفافه في رخاء. يشربون منه فتبرأ أمراضهم، ويسقون زرعهم فتنبت الأرض ثماراً تشع نوراً في الظلام.

طمع الملك "داريوس"

مرت السنون، وجلس على عرش المملكة المجاورة ملكٌ شاب يُدعى "داريوس". كان داريوس طموحاً لدرجة الجشع، ولم يرضه أن يكون النهر ملكاً للجميع. سحرته فكرة أن ماء النهر يشفي المرضى ويمنح القوة، فقرر احتكاره.

أرسل داريوس جيشاً عظيماً يحملون قدوراً من الذهب وخزانات من الفولاذ، وأمرهم ببناء سدٍّ عظيم ليحبس النهر بالكامل داخل أسوار قصرة، متجاهلاً تحذيرات الحكماء.

غضب النهر والتحول العظيم

عندما ضربت أول معولٍ من الحديد جسد الصخرة العتيقة، اهتزت الأرض. خرجت "أستريا" من وسط الرغوة الفضية، وقالت بصوتٍ يشبه قصف الرعد:

 "يا بني البشر، الماء هبة السماء، ومن يحبس الهبة يُحرم النور!"

لكن الملك داريوس، الذي كان يقود الجيش بنفسه، ضحك بسخرية وأمر جنوده بالتقدم. وفي تلك اللحظة، تجلت معجزة النهر المسحور:

 انقلاب اللون: تحول لون الماء الفيروزي فجأة إلى سوادٍ حالك كالحبر.

 تغير الطبيعة: تحولت المياه العذبة إلى سائلٍ ثقيل يجمد كل ما يلمسه، ليس جليداً، بل بلوراً صلداً

 اللعنة:كل جندي لمس الماء تحول في لمحة عين إلى تمثال من الكريستال الشفاف، يعكس ملامح الخوف على وجهه.

ذعر الملك وتراجع ليعود إلى قصرة، لكن النهر لم يتركه. اندفعت موجةٌ عملاقة ككفٍّ بشرية، ولمست جدران القصر، فتحول الحصن بأكمله، بذهبه وجدرانه وملكِه، إلى جبلٍ من الزجاج الصامت. الأثر الباقي

منذ ذلك اليوم، اختفى نهر الفيروز السائل من خرائط البشر. تقول الأسطورة إنه غار في أعماق الأرض، ولم يعد يظهر إلا للمسافرين التائهين الذين أشرفوا على الهلاك ونمت في قلوبهم توبة صادقة.

حينها فقط، يظهر لهم مجرى مائي صغير متلألئ، يشربون منه رشفة واحدة تعيد لهم الحياة، ثم يختفي النهر وكأنه كان سراباً، تاركاً خلفه همس حارسته "أستريا" وهي تذكر العالم بأن الأشياء الأجمل في هذه الحياة هي تلك التي لا يمكن لأحدٍ أن يمتلكها

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

 "الشيخ الذي صلّى تحت المانجو"

المرأة ليست سلعة للتسويق

لحظات صدفة متناغمة " ٢"