الماضي.. لا يعود

بقلم: سامية النبهانية


حكايةٌ سكنت أعماقي، واستوطنت زوايا الروح، حتى غدت جزءًا من تكويني. مضت الأعوام، وتبدلت الوجوه والأماكن، لكن كلماتها ما زالت راسخةً في داخلي، لا يطالها النسيان. كلما مرّ طيفها بخاطري، تتابعت أحداثها أمام عيني كأنها تحدث الآن. أرى التفاصيل ذاتها، وأسمع الأصوات نفسها، وأشعر بالمشاعر التي ظننت يومًا أنها غادرت.

كانت حكايةً عابرةً في عمر الزمن، لكنها في قلبي كانت عمرًا كاملًا، تركت أثرًا لا يمحوه البعد، ولا تطويه الأيام. وما زلت، كلما عدت إليها، أجدني أقف عند أبوابها الأولى، متأملًا دهشة البدايات، وحكمة النهايات، وصدى الكلمات التي بقيت تسكنني أكثر مما سكنتها.

ما زالت الطرقات تهمس لخطوات أقدامنا، التي ما زال أثرها يلامس ذكرى طفولتنا. نسير بخطى واثقة نحو تلك الأزقة والسكك التي يتناثر فيها تراب الماضي. ورغم كل ذلك، كنا أسعد ما نكون؛ لا يشغلنا تفكير، ولا يلوث عقولنا شيء. كان النقاء الذي يسكن دواخلنا لا يعكره شيء.

كنا نسير نحو الحقول، ونحو الساحات التي تملؤها أشجار اللمبا (المانجو). كانت طرقات ضيقة، لكنها واسعة بما تحمله قلوبنا من فرح. وكنا نتسابق بين تلك الطرقات لنلتقط ما يسقط من ثمار اللمبا تحت الأشجار.

كانت سعادتنا لا توصف حين نجد تلك الثمار على الأرض، وكأنها تنتظرنا لنحملها بين أيدينا. نعم، كنا سعداء بها، رغم أنها في وقتنا الحالي تُعد شيئًا بسيطًا، لكنها في ذلك الزمن كانت كنزًا ثمينًا ننتظره بشوق. كنا نتسابق الخطى لجمعها، وكان أوفرنا حظًا من يجمع العدد الأكبر منها.

وفي بعض الأحيان، كنا نقف حائرين: إلى أين نذهب أولًا؟ هل إلى التقاط ثمار النخيل التي تتساقط بكثرة عندما تهب الرياح، أم إلى ثمار اللمبا؟

كانت أمنياتنا صغيرة، وكانت البساطة في ذلك الوقت أغلى من كل شيء. كانت الحقول تجمعنا في كل حين، ولم نكن نشعر بالخوف. بل إننا، في بعض الأيام، كنا نخرج قبل أن يشق نور الفجر خيوطه الأولى. كانت المزارع والحقول يغمرها الظلام، ومع ذلك نمضي بخطى واثقة نحو المكان الذي قد نجد فيه ما يسعدنا: الخلال، وهو بداية ثمار النخيل الخضراء قبل أن تصبح رطبًا.

كان الخلال يتساقط بكثرة بفعل الرياح التي تهب طوال الليل، ورغم ذلك لم نكن نتكاسل، ولم نقل يومًا إننا لا نستطيع إكمال الطريق. فبعض الطرق، وإن كانت قاسية، كانت تمنحنا السعادة في نهايتها.

لم نكن نخاف من العثرات التي قد تعترض خطواتنا، ولم نكن نلوم أنفسنا كثيرًا إذا أخطأنا؛ لأن أخطاءنا كانت دافعًا لنا كي نسير ونتقدم نحو الأفضل.

ما أجمل الطفولة، وما أصدق أيامها! كان نقاء قلوبنا أملًا يتوهج في أرواحنا، فينير لنا دروب الحياة.

وحين دارت الأيام، ومضت السنون، لم يبقَ لنا سوى الذكريات؛ نقلب صفحاتها بصمت، ونستعيد وجوهًا غابت، وأوقاتًا لن تعود.

فأين أنت أيها الماضي؟

لا تزال ذكراك عالقةً فينا، وما زالت الكلمات تلامس تجربةً لا يعرفها الكثير. فمع مرور السنوات تتبدل الأحوال، وتتفرق الطرق، ويرحل أشخاص كانوا جزءًا من حياتنا اليومية، فلا يبقى منهم إلا أثرٌ في الذاكرة.

وقد تكون الذكرى مؤلمةً أحيانًا؛ لأنها تذكرنا بما فقدناه، لكنها في الوقت نفسه جميلة؛ لأنها تحفظ لنا ما كان له قيمة في حياتنا.

ومن أعمق ما في الذكريات وأصدقها أنها لا تعيد الماضي كما كان، لكنها تحفظ معناه. فالأماكن تتغير، والوجوه تكبر، والظروف تتبدل، لكن لحظاتٍ معينة تبقى حاضرةً في الوجدان، وكأن الزمن لم يمسها.

ليس كل ما مضى قد انتهى؛ فبعضه يستمر فينا على هيئة ذكرى، وبعضه يتحول إلى درس، وبعضه يبقى نورًا خافتًا يرافقنا كلما أرهقتنا الأيام.

فالماضي لا يعود، لكن أثره يبقى، والذكريات لا تعيش في الزمن، بل تعيش في القلوب. وما أجمل أن نحتفظ بها لا لنبكي ما مضى، بل لنستمد منها الدفء والقوة والمعنى. فهناك أشياء تنتهي في الواقع، لكنها تظل حيةً في الوجدان، لا يطويها الزمن ولا تمحوها الأيام.

 

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

 "الشيخ الذي صلّى تحت المانجو"

المرأة ليست سلعة للتسويق

لحظات صدفة متناغمة " ٢"