رفيق درب صامت
بقلم: ليلى حسين
كان "سالم" رجلاً هادئاً، يميل بطبعه إلى العزلة الدافئة؛ يفضل كوب قهوة مرًّا في شرفة منزله على صخب العالم الخارجي. لكن سالم لم يكن وحيداً أبداً، فظله "ساري" كان رفيق دربه الوحيد والوفي.
لم يكن ساري ظلاً عادياً ينعكس على الجدران بصمت ميكانيكي؛ بل كان كائناً حياً يحمل ملامح روح سالم الخفية. عندما كان سالم يبتسم لذكرى قديمة، كان ساري ينحني بخفة وكأنه يشاركه الضحكة. وفي الأيام التيث تثقل فيها الهموم كتفي سالم، كان ظلّه يرتخي على الأرض بوقار، ليخبره بلا كلمات: "أنا هنا.. أنا أحمل معك نصف الثقل".
في إحدى الأمسيات الخريفية، جلس سالم كعادته تحت ضوء المصباح الخافت في غرفته، وخطرت بباله فكرة فضولية. التفت إلى ظله وقال بصوت دافئ : "يا ساري، طوال هذه السنين وأنت تتبع خطاي، ألا تملّ من المكوث في قاعي دائماً؟ ألا ترغب في أن تسبقني خطوة واحدة إلى الأمام؟"
توقف الزمن برهة، وكأن الغرفة تنفست نفساً عميقاً. وللمرة الأولى، تحرك ساري بمعزل عن حركة جسد سالم؛ رفَع يده الداكنة وأشار إلى مقعد فارغ بجانبه، ثم جلس أمامه وجهاً لوجه!
دهش سالم، لكنه لم يخفَ؛ فقلبه كان أعرف الناس بهذا الرفيق. قال ساري بصوت يشبه حفيف الشجر الهادئ في ليلة صيفية:"يا صديقي، لستُ هنا لأسبقك، فوظيفتي هي أن أتعلم منك كيف تُحب الحياة. عندما تمشي، أتعلم كيف تكون الخطوات ثابتة. وعندما تنطفئ الأنوار، لا أعني أننا انتهينا.. بل نختفي معاً لنستريح ونستعد لشروق جديد."
ابتسم سالم بعمق، وشعر بغصة دافئة تغمر حلقه. مدّ يده نحو ظله، ولمس الكف الداكنة، فوجدها دافئة بحرارة المودة الخالصة. أدرك حينها أن الإنسان لا يشعر بالوحدة أبداً ما دام قادراً على مصالحة ذاته، وما دامت روحه تنعكس طمأنينة على من يشاركونه تفاصيل أيامه.
منذ تلك الليلة، لم يعد سالم يرى في ظله مجرد انعكاس ضوئي، بل رفيق درب صامت يذكّره دائماً بأن الونس الحقيقي يبدأ من الداخل، وينعكس على العالم بكل دفء وحنان.

تعليقات
إرسال تعليق