أيام الشتاء

 بقلم الكاتبة ليلى حسين

كانت الشمس في ذلك الصباح الخريفي المائل للبرودة تلملم أذيالها الصفراء، وتلقي بنظرة وداع دافئة على نوافذ البيت العتيق. في ركن الغرفة، كان "شتاء" يستعد على أطراف أصابعه؛ ارتدى معطفه الرمادي المصنوع من سحب بيضاء ناعمة، وعلق على كتفه حقيبة ملأها برائحة المطر الطازج، ونسيم بارد يحمل معه حنين الحكايات.

اقترب من النافذة الزجاجية، ونفخ نَفَثَاتٍ خفيفة رسمت لوحات بيضاء رقيقة، ثم ابتسم وهو يراقب أهل البيت وهم يتحركون في عجالة محببة.

في المطبخ، كانت الأم قد فتحت خزانة الأواني القديمة، وأخرجت تلك الأكواب الفخارية العميقة المخصصة للشاي الساخن. تفوح من الغرفة الآن رائحة القرفة والهيل واليانسون، كأنما هي تحية ترحيب صامتة بالضيف القادم. الأب من جانبه، كان ينفض الغبار عن السجادة الوثيرة السميكة، ويفرشها في غرفة المعيشة لتكون واحة دافئة تجتمع حولها الأقدام المتعبة في نهاية النهار.

أما الصغار، فكانت عيونهم تلمع بحماس بالغ. لقد أخرجوا من خزائنهم المعاطف الملونة، والأوشحة الصوفية التي نسجتها جدتهم بحب، وكأنهم يرتدون ألوان الفرح في وجه البرد. ركض الصغير نحو النافذة وقال لأخته بصوت متحمّس:

 "انظري.. السماء تبدو جادة اليوم، أعتقد أن الضيف الكبير قادم حقاً!"

ابتسم "شتاء" في سره وهو يستمع لحديثهم، وتقدم بهدوء ليطرق الباب طرقة خفيفة على شكل قطرات مطر متناثرة على زجاج النافذة: تِكْ.. تِكْ.. تِكْ.

فتحت الأم النافذة قليلاً، فداعب النسيم البارد شعرتها، واستنشقت عميقاً رائحة المطر الأولى وهي تقول بصوت حنون يملأ البيت طمأنينة:

 "أهلاً بك يا شتاء.. لقد طال غيابك، والبيت بانتظارك."

وما إن دخل نسيم الشتاء البارد برفق، حتى أغلقت النافذة بحذر، والتف الجميع حول المدفأة أو طاولة الطعام الدافئة. انطفأت أنوار الغرفة الصاخبة، وبدأت الأجواء الحميمية؛ حيث تتقاطع الحكايات، وتتشابك الأيدي بحثاً عن الدفء، وتتعالى اللحظات البسيطة التي لا تُقدر بثمن.

أدرك الشتاء حينها أنه ليس مجرد فصل بارد وموحش، بل هو عناق طويل يجمع القلوب التي فرقتها شمس الصيف الحارقة، وموسم تلتئم فيه الروح على صوت حبات المطر وهي تعزف لحن الأمان على أسطح المنازل.

كيف تستعد عادةً لاستقبال أول أيام الشتاء في بيتك؟

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

المرأة ليست سلعة للتسويق

قلب مطمئن ونفس راضية

غمرات الهمسات