على حافة الأفق
بقلم الكاتبة: ليلى حسين
كان "ليل" يلملم أطراف عباءته السوداء المطرّزة بالنجوم الفضية بثقلٍ ووقار، مستعداً للرحيل بعد ليلة طويلة ساهرة. جلس على صخرة الأفق الباردة، يتنفس بهدوء ورائحة الياسمين النائم تعطر ردائه.
اقترب منه "نهار" بخطوات خفيفة ومرنة، يرتدي قميصاً من نور الذهب الخالص، وفي كفيه باقة من نسيم الصباح الدافئ. ابتسم "نهار" بصوت رقيق يملؤه الحماس، وقال بحنو:
"صباح الخير يا رفيق.. أتعبك سهر الليل الطويل مجدداً، أليس كذلك؟"
التفت ليل نحو رفيقه، وبدت على محياه ملامح الراحة والرضا رغم إرهاقه، فأجاب بصوت عميق هادئ يشبه خرير المياه في سكون الغابة:
"أهلاً بك يا نهار.. أبداً، لم يكن تعباً بل كان أماناً. لقد غطيت الجميع بعباءتي، وهدأتُ روع القلوب المتعبة، وأرحتُ العيون من سخب النهار. أما آن لك أنت أيضاً أن تأخذ مساحتك؟"
أومأ نهار برأسه، واقترب أكثر ليجلس مكانه على الصخرة الدافئة، ووضع يده على كتف ليل بحركة ودودة، قائلاً:
"حان دوري الآن يا صديقي. سأفتح النوافذ، وأوقظ الزهور لتتفتح، وأمنح العصافير أصواتاً تملأ الدنيا بهجة، وأدفع الناس لسعيها وأحلامها التي زرعتها أنت في قلوبهم ليلاً."
نظر ليل إلى أطراف السماء التي بدأت تتلون بالخوخي والوردي الخفيف إيذاناً بقدوم شمس صديقه، وقال بابتسامة حنونة:
"جميل هو عطاؤك يا نهار، تمنحهم النور والعمل، تماماً كما أمنحهم السكون والأحلام. نحن نكمل بعضنا يا صاحبي؛ فلا ليل بلا نهار ينتظره، ولا نهار يحلو لولا سكون الليل."
ضحك نهار بخفة، وقال وهو يرفع ذراعيه لتشرق أول خيوط الشمس بدفء على الأرض:
"صدقتَ.. ولهذا أحب لقاءنا كل شروق وغروب، فهو عناق بين الراحة والنشاط، بين الحلم والتحقيق. استرح الآن يا ليل، وستراني أعتني بالعالم أحسن عناية حتى تعود."
حنى ليل رأسه مودعاً، وانسحب ببطء إلى خلف الأفق، تاركاً لنهار ساحة السماء ليفرد فيها أشرعة النور والحياة، بينما بقيت قلوب البشر مطمئنة، تعلم أن اللقاء سيُتجدد حتماً حين تغرب الشمس من جديد.

راق لي
ردحذف