لم تكن تشك فيه
بقلم الكاتبه ليلى حسين
كانت تظن أن الشك نوع من الظلم، وأن من يحب لا يفتش خلف من يحب، ولا يضع قلبه في محكمة كل مساء.
كان يعود متأخرًا، فتسأله: يومك كان متعبًا؟
فيبتسم: جدًا.
فتضع له الطعام، وتتركه يأكل في هدوء.
لكنها لم تكن تعرف أن هناك شيئًا آخر يعود معه كل ليلة... هاتفًا قديمًا لا يفارقه.
كان يحتفظ به منذ سنوات، بحجة أنه يحتوي على صور وذكريات قديمة لا يريد أن يفقدها.
لم تسأله كثيرًا.
فكل إنسان، في ظنها، له زاوية صغيرة في حياته لا يفتح بابها لأحد.
لكن الحقيقة كانت مختلفة.
كان الهاتف يحمل رسائل امرأة أحبها قبل زواجه.
في البداية احتفظ به لأنه لم يستطع أن يتخلص من الذكريات.
ثم عادت هي إلى حياته بعد سنوات، برسالة بسيطة:
"هل ما زلت تذكرني؟"
كان يستطيع أن يحذف الرسالة.
لكنه لم يفعل.
ومنذ تلك اللحظة، لم يعد الهاتف مجرد ذاكرة.
صار بابًا.
كلما حاول أن يغلقه، فتحه من جديد.
كان يعرف أنه يخون زوجته، لكنه كان يقنع نفسه بأن الأمر لم يتجاوز الرسائل، وأنه ما زال قادرًا على التوقف متى شاء.
وهذه كانت كذبته الأكبر.
فالخيانة لا تبدأ دائمًا بلمسة.
أحيانًا تبدأ برسالة لا ينبغي الرد عليها.
ثم رد.
ثم انتظار.
ثم اشتياق.
ثم حياة كاملة تُعاش في الخفاء.
وفي مساء بارد، خرجت من المنزل تبحث عن شيء نسيه في السيارة.
فتحت الباب الخلفي، فوجدت الهاتف.
لم تفتشه بدافع الفضول.
لكن الشاشة أضاءت.
رسالة واحدة فقط:"اشتقت لك... متى سنعود كما كنا؟"
جلست في المقعد الخلفي طويلًا.
لم تبكِ.
كانت تفكر في الهاتف الذي حمله معه كل هذه السنوات، وفي يده التي كانت تخفيه عنها، وفي قلبه الذي بدا أنه عاش حياة أخرى بالتوازي مع حياتهما.
وعندما عاد، وجدها جالسة في المكان نفسه.
نظر إليها، ثم إلى الهاتف في يدها.
فهم.
قال: أقدر أشرح.
قالت: لماذا احتفظت به؟
سكت.
ثم قال: لم أستطع أن أنهي الماضي.
نظرت إليه طويلًا.
لا... أنت لم تحتفظ بالماضي.
ثم وضعت الهاتف على المقعد بينهما.
أنت احتفظت بالباب مفتوحًا.
لم يجد ما يقوله.
وأضافت بهدوء: وأنا لم أخنك حين وثقت بك... أنت خذلت الثقة التي أعطيتك إياها.
تركت الهاتف مكانه، ونزلت من السيارة.
هذه المرة لم تكن غاضبة.
كانت فقط تعرف أن بعض الأشياء حين تنكشف، لا تحتاج إلى صراخ... يكفي أن تراها بوضوح.

تعليقات
إرسال تعليق