عطش صنع الوهم
بقلم: زينب على درويش
أغلق الخارطة، وحمل الأمتعة، وتأكد أن الماء معه؛ فهو لا يتحمل العطش كالطفل الصغير.
وعلى بُعد خطوات، وكأن الشمس تقطع طريقه، حاملةً معها نيرانها الساخنة، سقط مغشيًّا عليه.
إلى أن حلَّ الليل، وانخفضت حرارة رأسه، وبدأت مقلتاه تتحركان من جديد.
مدَّ يده يتحسس أين هو، وأول ما اطمأن عليه كان قارورة الماء.
لكنه وجدها فارغة.
بكى كطفل فقد أمه، إلى أن شعر ببرودة الليل تسكن آلام جلده المحترق. تحسس بقدمه الرمال، فإذا بها باردة.
همَّ واقفًا، في محاولة جادة للوصول إلى وجهته قبل أن ينتهي أجله في تلك المواجهة مع نيران الشمس، وهو بلا قطرة ماء.
وأثناء زحف قدميه الضعيفتين، شعر بأن هناك أنفاسًا أو همسات قريبة منه.
ليت القمر كان مرافقًا لي هذه الليلة!
التفت، لكنه لا يرى كف يده.
لكن الهمسات تقترب، والأنفاس تتسارع، ونبضات قلبه كالرعد.
وقف مكانه حتى يتأكد مما يجري حوله.
أهم بشر أم جن؟
أنا لست وحدي في تلك الصحراء... سأنادي، ويحدث ما يحدث.
رفع رأسه، وبصوت مرتفع مرتعش في الوقت نفسه، قال:
من هنا بالقرب؟ وماذا تريد؟
وانتظر الإجابة... الثواني كأنها أيام، وبالفعل لم يُجب أحد على ما قال.
بدأ يسير بخطوات أبطأ، ولا يعرف: هل هذه أصوات قلبه وأنفاسه، أم أن هناك بالفعل أحدًا ما حوله؟
لماذا لم يهاجمني؟
ولماذا لم يحدثني؟
أم أن الشمس أصابت رأسي بضربة قاضية؟
العطش أجبره على أن يُسرع، ولو استطاع أن يجري لفعلها، لكن حذره منعه، وظل في هذا الصراع حتى اقترب وقت الفجر.
ومع شروق أول شعاع لليوم الجديد، نظر حوله، فلم يجد سوى حقيبته، التي رسمت خط سيره على الأرض خلفه، بجانب آثار خطوات قدميه.
وأمامه... كان أول طريق مدينته.
ابتسم وهو يبكي... لقد قضى ليلةً كاملةً يطارد أصواتًا لا يعرف مصدرها، ويصارع خوفًا لم يعرف حقيقته.
.ليلةٌ كاملةٌ لم يعرف فيها أيّهما كان أخطر... العطش أم الوهم.

تعليقات
إرسال تعليق