نور الغسانية .. تجربة حياة

 بقلم: الكاتبة نور الغسانية ـ رئيسة جمعية المرأة العُمانية – فرع صلالة


حين تصبح الرحمة وطناً للمتعبين

هناك أشخاص يمرون في حياتنا مروراً عابراً، وهناك آخرون تترك قصصهم أثراً لا يُمحى في الذاكرة والوجدان. وما أجمل أن يكون ذلك الأثر نابعاً من موقف إنساني صادق، أو كلمة طيبة، أو يد امتدت بالعون دون انتظار مقابل أو معرفة سابقة. فالحياة ليست بما نملك من مال أو جاه، بل بما نزرعه في قلوب الآخرين من رحمة وأمل.

ومن بين التجارب الإنسانية المؤثرة التي عشتها، قصة امرأة ما زالت حاضرة في ذاكرتي كلما تذكرت معنى الصبر والكفاح وقسوة الحياة.

كانت امرأة أرملة عرفت من الحياة وجهها القاسي، ولم تملك بعد فقد زوجها سوى ابنها الوحيد، فكان سندها وأملها في مواجهة الأيام. لم تكن بيننا معرفة سابقة، لكنها كانت تتواصل معي بين الحين والآخر من مستشفى بدر السماء أو من خلال خط الحياة، طالبة المساعدة لشراء دواء لا يتجاوز ثمنه عشرين ريالاً. وكنت أرسل لها المبلغ كل شهر دون أن أسألها عن اسمها أو مكان إقامتها؛ فقد كان يكفيني أن أسمع في صوتها تعب السنين وحاجة الإنسان.

وفي أحد أيام توزيع مؤونة إفطار الصائم على مجموعة من النساء، سمعت صوتاً متعباً يناديني:

"أستاذة نور... ألم تعرفيني؟"

نظرت إليها ولم أعرفها من الوهلة الأولى بسبب ازدحام المكان وضجيجه. عندها ابتسمت رغم إرهاقها وقالت:

"أنا المرأة التي كانت تتواصل معك من أجل دواءها."

ثم رفعت يديها إلى السماء تدعو لي، وقد امتلأت عيناها بالامتنان، قائلة:

"جزاكِ الله خيراً... لقد ساهمتِ في علاجي."

حينها أدركت أن المعروف مهما بدا صغيراً عند صاحبه، قد يكون عظيماً في حياة الآخرين.

ومع مرور الوقت، عرفت تفاصيل قصتها المؤلمة. فقد اضطرتها الظروف إلى السفر إلى بلدها لفترة من الزمن، تاركة ابنها عند بعض أقاربها في السلطنة. وعندما عادت، وجدت أن ابنها قد انجرف إلى طريق خاطئ بسبب رفقة السوء، وتعلم ما أفسد حياته وهو لم يبلغ الثامنة عشرة من عمره.

حاولت الأم بكل ما تملك من قوة أن تنتشله من ذلك الطريق، لكن القدر ساقه إلى السجن. كانت تتصل بي باكية، تحكي ألمها وعجزها، وتبحث عن بصيص أمل. وبفضل الله تعالى، ثم بجهود أهل الخير، تمكن الشاب من التعافي من الإدمان والخروج من أزمته.

ولعل الأم كانت تأمل أن يكون الزواج بداية حياة جديدة لابنها، فتزوج وأنجب طفلة، ثم طفلة أخرى. غير أن الاستقرار الذي حلمت به لم يدم طويلاً، فعاد الشاب إلى عاداته السابقة، وعادت معه معاناة الأم، حتى انتهى به الأمر إلى السجن مرة أخرى بسبب تصرفاته الخاطئة.

ورغم كل ذلك، لم تتخلَّ عنه أمه، ولم تتخلَّ عن حفيدتيها أيضاً.

وفي خضم تلك المعاناة، حصلت على منحة حكومية لشراء منزل بقيمة خمسة وعشرين ألف ريال، لكن هذا المبلغ لم يكن كافياً لتأمين مسكن مناسب. وبفضل الله، ثم بمساهمة أهل الخير، تم جمع مبلغ إضافي مكّنها من شراء منزل يليق بها بعد سنوات طويلة من المشقة.

لكن المفارقة المؤلمة أن المنزل انتهى إلى ابنها وزوجته، بينما اختارت هي أن تحتضن حفيدتيها وتتكفل بتربيتهما. وعندما سألتها عن السبب، أجابت بكل بساطة:

"أخاف عليهما... ولا أثق بأنهما ستحصلان على الرعاية التي تستحقانها."

كانت تلك المرأة، رغم مرض القلب الذي تعاني منه، تحمل قلباً أكبر من كل أوجاعها. كانت تحتضن حفيدتيها وكأنها تحاول أن تحميهما من قسوة العالم كله.

وكانت كثيراً ما تقول لي:

"عندما أراكِ أشعر بالراحة، وعندما أتحدث معكِ أشعر بالقوة، وكأنك تمنحينني طاقة إيجابية تجعلني أواصل الطريق."

ولم تكن كلماتها مدعاة للفخر بقدر ما كانت تذكيراً بأن الإنسان قد يخفف عن أخيه بكلمة صادقة أو موقف نبيل أكثر مما يظن.

لقد أثرت في نفسي قصة هذه المرأة كثيراً. امرأة غريبة عن كثيرين، لكنها كانت تبحث فقط عن قلب يسمعها، ويد تمتد إليها عند الحاجة. وكانت كلما ضاقت بها الدنيا تردد أمام من يعرفها:

"أرتاح عندما أذهب إلى نور الغسانية."

واليوم، أدعو الله أن يحفظها ويرعاها، وأن يكتب لها السكينة بعد سنوات طويلة من التعب.

إن الرحمة ليست عملاً استثنائياً يقوم به بعض الناس، بل هي واجب إنساني وأخلاقي يجعل الحياة أكثر جمالاً ومعنى. ولسنا مطالبين بأن نكون ملائكة، ولا أن نغيّر العالم بأسره، وإنما أن نكون بشراً يحملون في قلوبهم قدراً من الرحمة يكفي لمساندة إنسان أنهكته الحياة.

فالرحماء يرحمهم الرحمن، وأجمل ما يتركه الإنسان خلفه ليس ما جمعه من مال، بل ما زرعه من أثر طيب في قلوب الناس.


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

 "الشيخ الذي صلّى تحت المانجو"

المرأة ليست سلعة للتسويق

لحظات صدفة متناغمة " ٢"