مذكرات الولد الشقي حين كنتُ ولدًا شقيًا
بقلم: فايل المطاعني الحكواتي
لكل إنسان محطات لا ينساها مهما تقدّم به العمر، ومحطات أخرى كلما تذكّرها ابتسم وقال:
«يا ليتني أستطيع أن أعود إلى تلك الأيام… ولكن من دون أن أرتكب الأخطاء نفسها!»
ومن أجمل تلك المحطات، وربما أكثرها فوضى واندفاعًا، محطة الانتقال إلى عالم الشباب.
أما بالنسبة إلى الولد الشقي، فكانت الجامعة حكاية أخرى تمامًا؛ فقد خرج من أجواء الثانوية الذكورية، حيث الرفاق والكتب والواجبات، إلى رحاب جامعة مختلطة، فظنّ أن أبواب النعيم قد فُتحت له على مصراعيها!
هناك يمكن أن تجلس بجوار وردة، أو زهرة، أو حتى فسيلة نخل… المهم أن تكون بجوار شخص تفوح منه رائحة عطر أنثوي، بدلًا من الجلوس بجوار صديق كل شوي يقول لك:
«متى يخلص هذا الأستاذ؟»
ومن هنا تبدأ الحكاية…
الفصل الأول
القطة السوداء
كان أول يوم لنا في الجامعة يومًا تعريفيًا، وكل شيء فيه جديد: المباني، والقاعات، والوجوه، وحتى الأحلام التي كنا نحملها معنا.
وكان معي صديقي محمد أبو عيون جريئة، وكنا في غرفة واحدة.
وقبل أن ندخل الغرفة المخصصة لنا، فوجئنا بشيء أسود يجلس عند الباب.
توقّف محمد فجأة!
نظرت إليه، ثم نظرت إلى الشيء الأسود.
كانت قطة سوداء.
أما محمد، فقد تعامل مع الموقف وكأننا أمام خطر أمني من الدرجة الأولى!
وفجأة قال بصوت ذكّرني بالفنان محمد صبحي وهو يقول:
«شفيق يا راجل!»
قلت له:
ـ ماذا بك يا صديقي؟ ماذا هناك؟
أجابني بسرعة، وبثقة رجل اكتشف مؤامرة دولية:
ـ هذه نور الهدى! أرسلت هذه القطة لكي تسحرني!
نظرت إليه طويلًا، ثم نظرت إلى القطة.
قلت في نفسي:
يا محمد، يا صديقي… نحن لم ندخل الجامعة بعد، وأنت بدأت من أول يوم في استقبال رسائل الحب بالسحر والشعوذة!
ولمن لا يعرف صديقي محمد أبو عيون جريئة، فقد كان يعتقد أنه حسين فهمي الجامعة.
فأي بنت تنظر إليه، بحسب اعتقاده، لا بد أنها وقعت في غرامه، ودبّ الدبيب في قلبها، ولم يبقَ أمامها إلا أن تبحث عن أقرب مأذون!
أما سر هذا الإعجاب، من وجهة نظره، فهو عيناه الخضراوان اللتان ـ حسب رأيه طبعًا ـ تسرّان الناظرين.
وأي واحدة لا تلتفت إليه، فهي ببساطة قد ضيّعت الجنة من بين يديها!
قلت له:
ـ يا صديقي، هذه مجرد قطة سوداء، جاءت تستظل من شمس مدينة العين في يوم قائظ. فلا تلقِ لها بالًا ولا تهتم.
ثم أضفت:
ـ وعلى الصباح أذهب معك إلى نور الهدى وأسألها عن الموضوع، أما الآن فدعنا ندخل، حماك الله يا صاحب العيون الخضراء.
لكن دينجوان عصره رفض أن يتحرك.
قال وهو يراقب القطة:
ـ انظر إليها! كيف تنظر إليّ؟ ألا ترى أنها مرسلة؟
قلت:
ـ مرسلة؟!
قال بثقة:
ـ نعم… مرسلة!
والحقيقة أنها لم تكن مرسلة من نور الهدى، ولا من غيرها، وإنما كانت قطة سوداء جربانة تبحث عن ظل، وربما كانت تبحث عن وجبة غداء أيضًا.
وبما أنني أدركت أن النقاش معه لن ينتهي، أخرجت آخر قطعة دجاج كنتاكي كانت معي، وألقيتها أمامها.
وما إن رأت القطة قطعة الدجاج حتى انطلقت تركض خلفها!
قلت لمحمد:
ـ أرأيت؟ لو كانت مرسلة إليك كما تقول، لما تركتك وذهبت خلف الدجاج!
لكن محمد لم يقتنع تمامًا.
دخلت الغرفة، وتركت صديقي يضرب أخماسًا في أسداس، ينتظر ماذا ستفعل به نور الهدى في المرة القادمة.
وكنت أخشى أن يكون السيناريو القادم أكثر خطورة:
قطة سوداء لم تكفه…
فربما ترسل له ثعبانًا، أو سحلية، تعبيرًا عن شدة الحب!
أما أنا، فقررت منذ ذلك اليوم أن أترك أبو عيون جريئة يخوض معاركه العاطفية وحده، وأن أتفرغ أنا للدراسة… أو هكذا كنت أقول لنفسي في ذلك الوقت!
خاتمة الحكواتي
وهكذا كان أول يوم في الجامعة بالنسبة إلينا.
لم نتعلم شيئًا عن المحاضرات بعد، ولم نحفظ أسماء القاعات، لكننا تعلمنا درسًا مهمًا:
لا تحكم على القطة من لونها… ولا على نظراتها، فقد تكون كل قصتها أنها جائعة!
ولنا في الذكريات لقاء…
توقيع:
الولد الشقي سابقًا
فايل المطاعني الحكواتي حاليًا

تعليقات
إرسال تعليق