مذكرات الولد الشقي..نبوءة في الكنيسة
بقلم: فايل المطاعني الحكواتي.
هناك أناسٌ تسكن فيهم الأمكنة قبل أن يسكنوا فيها، وأنا من هؤلاء الذين كان هواهم شاميًّا؛ فقد كان معظم أصدقائي من أهل الشام، ولذلك تسللت إلى حياتي عادات شامية كثيرة أحببتها، وأصبحت جزءًا من ذاكرتي، حتى إنني أحيانًا كنت أشعر أن لي أكثر من وطن في هذه الدنيا.
وفي إحدى المرات، دعاني صديقي طارق إلى أحد أعيادهم.
وطارق من عائلة أردنية عريقة جدًا، وهي عائلة مسيحية، وكان يعرف أنني أحب مخالطة الناس والتعرف إلى عاداتهم وتقاليدهم.
قال لي:
— فايل، سوف نذهب إلى الكنيسة، وقبل المعايدة سنستمع إلى قداس العيد وموعظة الخوري.
ولمن لا يعرف معنى «الخوري»، فهو عند إخواننا المسيحيين رجل الدين، كما أن الإمام عندنا في المسجد.
قلت له بكل هدوء:
— لا بأس يا صديقي... أنا أحب الأعياد.
ولم أقل له بالطبع إنني أحب الأعياد أكثر عندما يكون فيها طعام وحلويات وحسناوات يرتدين ثياب العيد!
دخلنا الكنيسة، وجلست في أحد المقاعد التي كانت، في نظري، تشبه إلى حد كبير كراسي المحاكم. وكان عليّ أن أجلس بهدوء، وأتصرف وكأنني أعرف كل شيء عن القداس والموعظة، مع أنني في الحقيقة كنت أتعلم المشهد لحظة بلحظة.
جلست إلى جواري سيدة في الثلاثين من عمرها تقريبًا، وكانت تبكي بحرارة شديدة.
بكاء جعلني أظن أنها فقدت أحد أحبائها، وأنها جاءت إلى الكنيسة لتطلب له الرحمة والمغفرة والجنة.
والحقيقة أن كل واحد منا يسعى إلى الجنة، وإن اختلفت الطرق التي يسلكها إليها.
لكن شيئًا آخر لفت انتباهي...
كانت السيدة، بين حين وآخر، ترمقني بنظرة سريعة، ثم تعود إلى بكائها.
لم أفهم معنى تلك النظرات.
ولو كنا في مكان آخر، لكنت ربما أرسلت إليها ورقة صغيرة تحمل اسمي ورقم هاتفي.
وهذه كانت إحدى وسائل التعارف في زماننا الجميل؛ تكتب رقم هاتفك في ورقة صغيرة، ثم تلقي بها في «فوهة البركان»...
فإما أن تأتيك إجابة ترفعك إلى السماء، أو تأتيك النتيجة من المستشفى مباشرة إلى قسم العظام!
وهنا كنت أعيش اللحظة بكل تفاصيلها.
كنت أستمع إلى الموعظة وكأنني مسيحي مخلص، أهز رأسي بين الحين والآخر، وأحافظ على ملامح الجدية، حتى لا يكتشف أحد أنني في داخلي شاب جاء ليشارك أصدقاءه فرحة العيد، وبعدها يتأمل جمال ثياب العيد، ثم يعود إلى بيته سالمًا غانمًا!
ولست بحاجة إلى المواعظ، فديننا الإسلامي زاخر بالمواعظ والحِكم والأمثلة الجميلة، لكنني في تلك اللحظة كنت ضيفًا، والضيف له آداب.
انتهت الموعظة، وخرجنا إلى باحة الكنيسة لنشارك الأصدقاء فرحة العيد.
وهناك حدث ما لم يكن في الحسبان.
اقتربت مني تلك الشابة التي كانت تجلس بجانبي، وقالت:
— هل أنت من سكان حينا؟
قلت:
— لا، أنا ضيف عند صديقي طارق، جئت لأشارك أصدقائي فرحة العيد.
ابتسمت وقالت:
— نعم، عرفت ذلك.
فضحكت.
وكانت ضحكتها كأنها كشفت عن لآلئ، أو هكذا رأيتها بعين الشاب الذي كان في ذلك العمر يرى الجمال بأكثر مما يحتمل!
كان شعرها أشقر، ينسدل على كتفيها بحرية، ووجهها قريب في ملامحه من الممثلة السورية الجميلة نادين تحسين بك.
أما صوتها، فكان له شيء خاص؛ صوتًا ناعمًا وعذبًا، وكما يقول أهل الشرقية عندنا: صوتها يشفي الميهود، أي يشفي المريض.
وأنا أنظر إليها، شعرت وكأن العيد كله اختصر نفسه في وجهها.
اقتربت مني قليلًا، ثم قالت:
— أنت شاب شقي!
ابتسمت وقلت:
— لم تأتِ بجديد... فأنا كنت ولدًا شقيًا، وبالتالي من الطبيعي أن يكون امتداد الولد الشقي شابًا شقيًا!
كان ذلك أول درس أتعلمه في أن بعض الأوصاف لا تحتاج إلى شهادة جامعية لإثباتها!
لأول مرة، شعرت أن للوقت قيمة حقيقية.
فالوقت يسرع عندما تكون سعيدًا، ويتباطأ عندما تكون حزينًا، أما في تلك اللحظة فقد تمنيت لو أن عقارب الساعة أخذت إجازة رسمية.
قالت:
— هل تعلم لماذا كنت أنظر إليك في باحة الكنيسة؟
قلت:
— لا.
وكنت أكذب طبعًا!
فأنا كنت منتبهًا تمامًا إلى نظراتها، والحقيقة أنني كنت سعيدًا بها.
لكن الشاب في ذلك العمر لا يستطيع أن يعترف بسهولة بأن فتاة لفتت انتباهه؛ فلابد أن يحافظ على شيء من الهيبة، وإلا ضاعت كل المفاوضات قبل أن تبدأ.
تجاهلت إجابتي وقالت:
— كنت أبحر في عالمك المستقبلي.
توقفت عند العبارة.
عالمك المستقبلي!
ما أقوى هذه الكلمات عندما تأتيك من فتاة جميلة وأنت في عمر تصدق فيه أن المستقبل ينتظرك خلف الباب مباشرة!
هززت رأسي وقلت:
— نعم... وماذا وجدتِ؟
نظرت إليّ وكأنها رأت شيئًا لا أراه، ثم قالت:
— ستكون تشارلز ديكنز العرب... وستصبح مشهورًا جدًا.
سكتت.
أما أنا، فوجدت نفسي أقول:
— راح أموت؟
ضحكت وقالت:
— لا.
ثم أضافت:
— سوف تتزوج شامية، شعرها أشقر وعيناها خضراوان، وستكون واحدًا من الأغنياء.
ثم تركتني ومضت.
أما أنا، فبقيت واقفًا في مكاني، أحاول أن أستوعب ما سمعته.
تشارلز ديكنز العرب!
والله إنها أول مرة أعرف أن مستقبلي كان يحتاج إلى مترجم!
ذهبت الشابة، وبقيت أنا أحدق في أثرها، ولا تزال خصلات شعرها الأشقر تتناثر أمام عينيّ في الذاكرة، كحبات قمح لم يحن وقت حصادها بعد.
ومرت السنوات...
والآن، إذا سألتموني:
هل تحققت نبوءة فتاة الكنيسة السورية؟
سأقول لكم بكل صدق:
لا زلت أبحث عنها!
ولا تزال خصلات شعرها الذهبي تتراءى لي كلما لمحت فتاة تشبهها في الشعر.
أما حكاية أن أصبح «تشارلز ديكنز العرب»... فهذه تحتاج إلى جلسة أخرى!
وأما الغنى، فأنا إلى الآن أبحث عن عنوانه.
وأما الشامية ذات الشعر الأشقر والعينين الخضراوين...
فربما كانت هي أيضًا تبحث عن «الولد الشقي» الذي تركته ذات يوم واقفًا في باحة الكنيسة، ينتظر مستقبلًا لم يصل بعد!
لكن شيئًا واحدًا تحقق فعلًا...
أنني ما زلت أكتب.
وما زلت أبحث عن الحكايات.
وما زلت، بعد كل هذه السنوات، أؤمن أن بعض الناس لا يدخلون حياتنا ليبقوا فيها، وإنما يدخلونها ليتركوا جملة واحدة، أو نظرة واحدة، أو نبوءة صغيرة... ثم يرحلون.
وتبقى الحكاية.
وللمذكرات بقية...
مع تحيات
الولد الشقي سابقًا
الحكواتي حاليًا
تشارلز ديكنز : كاتب انجليزي مشهور جدا صاحب رواية قصة مدينتين .

تعليقات
إرسال تعليق