صباح الخير يا بشر..بين الانتماء والولاء والإخلاص والوفاء

  بقلم: د. سامح هدهود - روسيا 


كثيرًا ما تختلط علي أنفسنا و تتوه كلماتنا ما بين صفحات من الحياة حملت في طياتها معاني الانتماء والولاء والإخلاص والوفاء وكأنها مرادفات في بوتقة واحد، نضعها في جملة واحدة، و نحصرها في ذات المعني، بينما لكل كلمة منها مساحات و ادوار مختلفة في علاقتنا بالآخرين و بالحياة ذاتها...

وربما كان الخلط بينها واحدًا من أسباب كثيرة جعلتنا أحيانًا نحكم على الناس من كلماتهم، لا من مواقفهم؛ ومن ادعاءاتهم، لا من حقيقتهم.

فالانتماء هو البداية.

أن تشعر أنك جزء من شيء ما؛ أسرة، وطن، مكان، مؤسسة، فكرة أو حتى ذاكرة. وقد يأتي الانتماء طبيعيًا بحكم الميلاد والنشأة والهوية، وقد يتشكل مع الأيام من خلال التجربة والذكريات والمواقف. إنه ذلك الشعور الذي يقول لك: هذا جزء مني، وأنا جزء منه.

لذا قد يصبح الإنتماء مجردا مجرد هوية....

بطاقه هوية...

مجرد ورقة يمكن محو ذاكره سطورها من الحبر...

لهذا ، الانتماء وحده لا يكفي.

فقد ينتمي الإنسان إلى وطنه، لكنه لا يعمل من أجله. وقد ينتمي إلى مؤسسة، لكنه لا يحافظ عليها. وقد ينتمي إلى عائلة، لكنه يكون أول من يتخلى عنها عند الاختبار.

وهنا يظهر الولاء.

فالولاء هو اللحظة التي يتحول فيها الشعور إلى موقف، والانتماء إلى مسؤولية. أن تقول: أنا لا أنتمي إلى هذا الشيء فحسب، بل أقف إلى جانبه عندما يحتاج إليّ، وأحافظ عليه، وأدافع عن قيمته، وأعمل من أجل أن يبقى أفضل.

ولهذا لا يظهر الولاء الحقيقي كثيرًا في أوقات الراحة؛ فالراحة لا تختبر أحدًا. إنما تظهر معالمه عندما تتغير الظروف، وتصبح المصلحة الشخصية في اتجاه، وما تؤمن به في اتجاه آخر.

أنا انتمي اليك علي المرة قبل الحلوة...

يا وطن...

يا أسرتي...

يا شريك عمري...

يا أي من كنت تستحق الولاء...


لكن هل يكفي أن نقف ونفعل؟


هنا يأتي الإخلاص.

فقد يفعل الإنسان الشيء نفسه الذي يفعله المخلص، لكن بدافع مختلف تمامًا. قد يساعدك لأنك سترد له الجميل، وقد يدافع عنك لأن مصلحته مرتبطة بك، وقد يعمل من أجل مؤسسة لأنه ينتظر منصبًا أو مكافأة.

الصورة الخارجية واحدة، لكن الحقيقة في الداخل مختلفة.

الإخلاص لا يسأل فقط: ماذا فعلت؟

بل يسأل سؤالًا أكثر عمقًا: لماذا فعلت؟


إنه نقاء الدافع، وصدق النية، وأن تفعل ما تؤمن به دون أن تكون المصلحة الشخصية هي المحرك الوحيد لك.

وهنا تتضح العلاقة الجميلة بين الولاء والإخلاص؛ فالولاء يحتاج إلى فعل، لكن الإخلاص يمنح هذا الفعل روحه. قد يكون هناك ولاء ظاهري، لكنه بلا إخلاص، فيتحول مع الوقت إلى مصلحة مقنّعة.


ثم نصل إلى الوفاء.

والوفاء هو أن تبقى صادقًا مع ما التزمت به، وأن تحترم عهدك وكلمتك حتى عندما تصبح الظروف أصعب.

فالوفاء لا يحتاج إلى جمهور يصفق له، ولا إلى كلمات كثيرة. أحيانًا يكون الوفاء أن تتذكر إنسانًا وقف بجانبك في وقت لم يكن أحد يعرفك فيه. وأن تحفظ الجميل عندما تتغير الأحوال. وأن تظل على عهدك عندما يصبح التراجع أسهل من الاستمرار.

ولذلك يمكن أن نقول إن الإخلاص يتعلق كثيرًا بما في القلب، بينما الوفاء يكشف ما في الفعل.

قد يكون الإنسان مخلصًا في مشاعره، لكنه يعجز عن الوفاء بوعده. وقد يفي شخص بوعده خوفًا من العواقب أو التزامًا بالقانون، دون أن يكون في قلبه إخلاص حقيقي.

ومن هنا تبدو لنا المفاهيم الأربعة كأنها جوانب مختلفة للحقيقة الإنسانية، وليست مجرد كلمات مترادفة.


الانتماء يقول: أنا جزء منك.


والولاء يقول: سأقف إلى جانبك.


والإخلاص يقول: سأفعل ذلك من قلب صادق، لا من أجل مصلحة عابرة.

والوفاء يقول: سأظل على عهدي عندما تتغير الظروف.

لكن الحياة أكثر تعقيدًا من أن نجعل هذه المفاهيم أربع درجات متتالية لا تنفصل. فقد ينتمي الإنسان إلى شيء دون أن يكون وفيًّا له، وقد يعلن ولاءه بينما تحركه مصلحة خفية، وقد يكون مخلصًا في مشاعره لكنه لا يستطيع الوفاء بكل ما وعد به.


فالانتماء الحقيقي لا يعني أن نغلق أعيننا عن أخطاء من ننتمي إليهم، والولاء الحقيقي ليس طاعة عمياء، والإخلاص ليس إلغاءً للعقل، والوفاء ليس استمرارًا في الخطأ لمجرد أننا بدأنا الطريق.

بل قد يكون من أصدق صور الانتماء أن تحاول إصلاح ما تحبه، ومن أصدق صور الولاء أن تقول الحقيقة لمن تنتمي إليه، ومن أصدق صور الإخلاص أن تفعل الصواب ولو لم يصفق لك أحد، ومن أصدق صور الوفاء أن تحفظ العهد دون أن تخون ضميرك.


وفي النهاية، ربما لا تكمن قيمة الإنسان في عدد الأشياء التي يقول إنه ينتمي إليها، ولا في كثرة من يعلن لهم ولاءه، ولا في جمال الكلمات التي يتحدث بها عن إخلاصه ووفائه.

القيمة الحقيقية تظهر عندما تغيب المصلحة، وتشتد الظروف، وتصبح الكلمات قليلة، ويأتي الموقف الذي لا يراك فيه أحد.

هناك فقط نعرف:

من كان منتميًا بالفعل،

ومن كان مواليًا في الموقف،

ومن كان مخلصًا في النية،

ومن كان وفيًّا حتى النهاية.

و يبقي السؤال...

ماذا لو ارتقيت فأدركت ما بين السطور في رواية آبت أن تستلم و كان أبطالها الانتماء، الولاء، الإخلاص و الوفاء؟؟؟ فأصبحت جديراً بلقب...

إنسان...

ربما...

صباح الخير يا بشر 

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

المرأة ليست سلعة للتسويق

قلب مطمئن ونفس راضية

نور الغسانية .. تجربة حياة