مذكرات الولد الشقي..كنتُ ولدًا شقيًّا
بقلم: فايل المطاعني الحكواتي
هناك أشياء في الحياة لا تستطيع تفسيرها مهما كبرت، ولا تجد لها تفسيرًا منطقيًا مهما قرأت وتعلمت.
ومن أغرب هذه الأشياء: إحساس الأم!
الأم التي قد تنظر إليك وأنت تهم بالخروج من البيت، ثم تقول لك بكل هدوء:
«لا تروح... قلبي مو مرتاح.»
فتقول في نفسك:
«يا أمي، أنا رايح مشوار، مش رايح أحارب دولة!»
ثم تمضي...
وبعدها تكتشف أن قلبها كان يعرف ما لم تعرفه أنت.
واليوم سأحكي لكم موقفًا من أيام الجامعة، موقفًا جعلني بعد سنوات طويلة أعود وأسأل نفسي:
هل للأم فعلًا حاسة سادسة؟ أم أن الأم تعرف أبناءها أكثر مما يعرفون أنفسهم؟
وأنا أميل إلى الاحتمال الثاني... لكن دعونا نبدأ الحكاية.
الجامعة... واكتشاف النفس!
كانت الرحلات في المرحلة الثانوية محدودة جدًا، وقد تحتاج إلى ثلاثة أو أربعة أشهر حتى تحصل على رحلة مدرسية، هذا إذا كنت محظوظًا، وإذا كان عندك أستاذ يؤمن بأن الطالب يحتاج إلى رؤية العالم خارج أسوار المدرسة!
وغالبًا ما كانت الرحلة إلى حديقة الحيوانات.
والحقيقة أنني كنت أعرف حديقة الحيوانات أكثر مما أعرف بعض شوارع مدينتي!
فالوالد، رحمه الله، كان إذا جاءه ضيف قال:
«لازم نوديه حديقة الحيوانات.»
وبمرور السنوات أصبحت الحيوانات نفسها تعرفنا.
أظن أن أحد الأسود كان عندما يراني يقول:
«آه... الجماعة رجعوا مرة ثانية!»
فقد كنا من كثرة ما نذهب إلى الحديقة نظن أن الحيوانات حفظت وجوهنا!
لكن ماذا نفعل؟
الله كريم!
أما في الجامعة فالأمر مختلف.
هنا أصبحت رجلًا!
لم تعد الرحلة إلى حديقة الحيوانات، ولا إلى مزرعة أبقار، ولا إلى مكان يجعلك تعود إلى البيت وفي يدك كيس فشار.
في الجامعة أصبحت الرحلات تحمل عنوانًا أكثر نضجًا:
«اكتشاف الذات»!
يا سلام!
عنوان فلسفي محترم جدًا.
والحقيقة أنني لا أعرف حتى اليوم ماذا اكتشفنا عن أنفسنا في تلك الرحلة، لكنني أعرف أننا كنا ذاهبين إلى أبوظبي، عاصمة دولة الإمارات العربية المتحدة، لحضور حفلة للفنان عمرو دياب على شاطئ الراحة.
نعم...
حتى الحفلات الغنائية في أيام الشباب كانت عندنا تدخل تحت بند:
اكتشاف النفس!
الأم... وزيرة الداخلية!
طبعًا، لكي تذهب في الرحلة، لا بد أن تحصل على موافقة الوالدة.
وهنا أريد أن أقول شيئًا عن البيوت العربية، وبكل أمانة:
الأب واجهة جميلة... لكن الأم هي الحكومة!
الأب يجلس في مكانه بهدوء، يشاهد التلفزيون، ويبدو للناس أنه صاحب القرار.
أما القرارات الحقيقية فتمر من مكان آخر!
إذا أراد الابن شيئًا من والده، لا يذهب مباشرة.
يذهب إلى أمه أولًا ويقول:
«أمي، خبري الوالد أني أحتاج كذا.»
وإذا أراد أن يخطب فتاة، يخبر أمه أولًا.
وإذا حصل على أول راتب، تعرف الأم قبل الأب.
وأحيانًا إذا اشترى الابن شيئًا غاليًا، الأب يعرف بالصدفة بعد ثلاثة أشهر!
لذلك أنا مقتنع أن الأم في البيت ليست فقط أمًا...
إنها وزارة الداخلية والخارجية والمالية والإعلام، وكل الوزارات مجتمعة!
والأب؟
الأب... رئيس مجلس الإدارة الفخري!
مهمة إقناع الوالدة
ذهبت إلى والدتي، رحمها الله، وأنا أعرف أن المهمة صعبة.
كنت أحتاج إلى إقناعها بالسفر، وأحتاج أيضًا إلى تمويل الرحلة.
والتمويل طبعًا من أين؟
من نبع الحنان.
لكن كانت عند والدتي عبارة غريبة جدًا، كلما طلبت منها مالًا قالت:
«هذه مش فلوسي... هذه فلوس حرمة.»
وحتى هذه اللحظة لا أعرف من هي تلك الحرمة التي كانت تضع أموالها عند أمي!
سنوات طويلة وأنا أبحث عن هذه المرأة الغامضة.
رحم الله والدتي وأسكنها فسيح جناته.
المهم...
جلست معها وبدأت عملية الإقناع.
شرحت لها الرحلة، وأهمية السفر، واكتشاف الذات، وتجربة الحياة، ورفقة الأصدقاء...
وبعد كل هذا الكلام الجميل، نظرت إليّ وقالت:
«لا تروح... إحساسي يقول إن بيصير لك مكروه.»
انتهى الاجتماع.
لا مفاوضات.
لا لجنة استئناف.
لا محكمة عليا.
رفض قطعي!
رحلة الأحلام
كانت الرحلة مقررة يوم الخميس.
والخميس في أيامنا كان يومًا له طعم خاص؛ دوام قصير، وبعده الجمعة إجازة.
يعني باختصار:
الخميس كان يوم الفرح الرسمي!
وكانت الرحلة تضم أصدقائي:
محمد أبو عيون جريئة، وفاضل، وعلي، وأنا.
وكان مخطط الرحلة يقوده محمد، لأن بيتهم كان في أبوظبي.
وكان صديقنا علي قد حصل على رخصة القيادة، فكانت الرحلة بالنسبة له فرصة لإثبات مهاراته في شوارع أبوظبي الجميلة.
وبدأنا نحلم بالرحلة قبل أن تبدأ.
كل واحد يقول لصاحبه:
«لا تلبس مثلي.»
والآخر يرد:
«أنا أصلًا ما راح ألبس مثلك.»
وكأننا ذاهبون إلى عرض أزياء في باريس، لا إلى حفلة عمرو دياب!
وكنا نحلم بالمشي في شوارع أبوظبي، وبالحفلة، وبالضحك، وبالعودة في اليوم التالي.
كان الوقت ربيعًا، وفي الخليج نطلق أحيانًا على بدايات الشتاء اسم الربيع، وكانت الحفلات تقام في أواخر يناير، والأجواء جميلة.
نمنا تلك الليلة ونحن نشعر أن العيد غدًا.
لكن كان هناك عائق صغير جدًا أمام العيد...
أمي!
خطة س. إ . أ
اتصل بي أصدقائي عن طريق هاتف البيت.
وفي تلك الأيام لم تكن الهواتف المحمولة منتشرة مثل اليوم؛ الهاتف المحمول كان عند أولاد «الهوامير» فقط!
أما نحن، فكنا ننتظر الهاتف الأرضي وكأنه جهاز اتصال تابع لوكالة ناسا.
اجتمعنا على خطة جديدة لإقناع الوالدة.
وكان لدينا نظام خاص للإقناع اسمه:
س. إ . أ
وهي طريقة مجربة وفعالة جدًا:
س: ساعة وراجعين.
أ: إضراب عن الطعام.
أ: الاستعانة بالأخوات.
خطة استراتيجية متكاملة!
لكن يبدو أن والدتي كانت تملك خبرة في الأمن القومي أكثر منا.
رفضت.
رفضًا قاطعًا.
لا سفر.
لا أبوظبي.
لا حفلة.
لا اكتشاف نفس.
ولا حتى اكتشاف نصف النفس!
فقلت لهم:
«اذهبوا أنتم.»
الفرسان الثلاثة
كان بإمكان أصدقائي أن يذهبوا، لكن صديقي محمد أبو عيون جريئة رفض أن يذهب بدوني.
كانت تربطني به صداقة قوية جدًا، وما زالت حتى اليوم.
وكنا نعتبر أنفسنا من الفرسان الثلاثة.
كان جيلنا مولعًا بالقراءة، وبالأدب الفرنسي تحديدًا، وكنت أحب أن أقرأ للكاتب الفرنسي ألكسندر دوما، صاحب رواية «الفرسان الثلاثة».
وكانت رواية «الفرسان الثلاثة» بالنسبة لنا أكثر من مجرد رواية مغامرات؛ كانت حكاية عن الصداقة والوفاء والمواقف التي لا يترك فيها الصديق صديقه.
وكنا نردد شعار الفرسان:
«واحد للكل... والكل للواحد.»
وربما لهذا السبب، عندما رفضت والدتي أن أذهب، لم يستطع محمد أن يتركني ويذهب وحده.
كان يمكنه أن يقول:
«يا فايل، أمك رفضت... ونحن ذاهبون!»
لكنه لم يفعل.
وهنا أدركت أنني لم أكن مجرد قارئ لرواية «الفرسان الثلاثة»...
كنت أعيش فصلًا منها، ولكن من دون سيوف... ومن دون خيل، ومع مشكلة أكبر بكثير: أمي!
خرجت أنا وصديقي محمد نمشي والحزن في أعيننا.
كان أصدقاؤنا قد سبقونا إلى الطريق، ونحن بقينا خلفهم.
وكنا نحاول أن نقنع أنفسنا بأن الرحلة ليست مهمة.
والحقيقة أننا كنا نمثل الحزن أكثر مما نعيشه!
ثم جاء الخبر...
وبينما نحن نمشي، وصلنا الخبر الذي غيّر كل شيء.
أصدقاؤنا تعرضوا لحادث في الطريق إلى أبوظبي.
كانت الإصابات متفاوتة.
توقف الكلام.
توقف المزاح.
وتوقف كل شيء في داخلي.
في تلك اللحظة تذكرت كلام والدتي:
«إحساسي يقول إن بيصير لك مكروه.»
فجأة أصبحت تلك الجملة مختلفة تمامًا.
لم تعد مجرد عبارة قالتها أم خائفة.
أصبحت جملة تلاحقني.
جملة تجعلني أسأل نفسي:
هل كانت أمي تعرف؟
هل هو حدس الأم؟
هل هناك فعلًا حاسة سادسة لدى المرأة، وبالأخص الأم؟
لا أعرف.
ولا أملك تفسيرًا علميًا لذلك.
لكنني أعرف شيئًا واحدًا...
أنني في ذلك اليوم لم أعد أضحك على «إحساس أمي».
بل أدركت أن بعض الأمهات لا يحتجن إلى هاتف، ولا إلى رسالة، ولا إلى خبر عاجل.
يكفي أن يشعر قلبها بشيء...
فتصلها الحكاية قبل أن تصلنا.
رحم الله والدتي، وأسكنها فسيح جناته.
ورحم الله كل أم رحلت عن الدنيا وتركت خلفها أبناءً ما زالوا يبحثون عن صوتها في تفاصيل الحياة.
واليوم، لو عادت بي الأيام إلى تلك اللحظة، وقالت لي أمي:
«لا تروح... قلبي مو مرتاح.»
فلن أستخدم معها خطة س. إ . أ...
بل سأقول:
«حاضر يا أمي.»
فقد اكتشفت بعد سنوات أن الأم قد تكون أحيانًا أصدق جهاز إنذار في العالم...
ولا يحتاج جهازها إلى بطارية!
أما أنا...
فقد كنت يومها:
ولدًا شقيًا.
واليوم أصبحت:
الحكواتي.
وبين الشقاوة والحكاية، بقيت أمي أجمل حكاية في حياتي.
ودمتم سالمين.
مع تحيات:
الولد الشقي سابقًا...
الحكواتي حاليًا.
تعليقات
إرسال تعليق