مذكرات الولد الذي كان شقيًا مارادونا... والهدف الذي أنهى مسيرتي الكروية

 بقلم: فايل المطاعني الحكواتي


هناك ذكريات لا تغادرنا مهما تقدّم بنا العمر، تبقى مختبئة في زاوية من الذاكرة، وكلما مرّ طيفها أمامنا ابتسمنا، وربما ضحكنا على أنفسنا قبل أن نضحك على تفاصيلها.

وأنا، منذ كنت ولدًا صغيرًا، كانت لي علاقة خاصة بكرة القدم. لم تكن مجرد لعبة بالنسبة إليّ، بل كانت عالمًا كاملًا أعيش تفاصيله، وأنتظر مبارياته، وأحفظ أسماء لاعبيه، وأشعر أن تسعين دقيقة من كرة القدم يمكن أن تختصر متعة الدنيا كلها.

وقبل أن يأتي ميسي ورونالدو، كانت هناك ظاهرة كروية اسمها مارادونا.

تعرفت إلى تلك الظاهرة في كأس العالم بالمكسيك، وكنت يومها طفلًا صغيرًا، لكنني وقعت في حب كرة القدم من خلال ذلك الساحر الأرجنتيني، ومن خلال أصوات المعلقين الذين كانوا يجعلون المباراة نفسها حكاية لا تقل جمالًا عن أحداثها؛ الكويتي خالد الحربان، والمصري محمد لطيف، وغيرهما من الأصوات التي ارتبطت في ذاكرتنا بأجمل أيام الكرة.

ومن يومها أصبحت مدمن كرة قدم، وكانت المباريات بالنسبة إليّ متعة لا تضاهيها متعة.

لكن، وعلى الرغم من عشقي لمارادونا، لم أكن أشجع المنتخب الأرجنتيني!

كنت أشجع المنتخب الإنجليزي.

وهنا تعرفون تأثير الآباء على الأبناء.

كان والدي إنجليزي الهوى إلى درجة كبيرة؛ كل شيء تقريبًا عنده يجب أن يحمل عبارة «صنع في إنجلترا». حتى السيجارة كانت إنجليزية، والأقمشة إنجليزية، وكان لا يلبس إلا ما يأتي من هناك، وفوق ذلك كله كان يشجع نادي مانشستر يونايتد.

فماذا تريدون من ولد صغير غير أن يتأثر بأبيه؟

لكنني عندما كبرت وأصبحت أبًا، قررت ألا أتدخل في خيارات ابني سعود الرياضية. تركته يشجع من يريد، فإذا به يختار ميسي!

وأنا، بصراحة، لا أحب ميسي كثيرًا، وكلما قال لي سعود:

«زمن ميسي هو الأفضل».

أصمت.

ليس اقتناعًا مني، وإنما لأنني تعلمت شيئًا مهمًا مع مرور السنوات.

عندما يبلغ الرجل الأربعين، يبدأ في اكتشاف أن الجدال مع أبنائه وزوجته مشروع خاسر من البداية!

فأبناؤه سيقولون لك إن زمانهم هو الأفضل، وزوجتك ستقول لك:

«احمد الله أنك تزوجت امرأة مثلي... تحملتك كل هذه السنين!»

لذلك، عزيزي الرجل الأربعيني، نصيحتي لك: توقف عن الجدال، وأبحر في عالمك الخاص.

عالم صنعته أنت، وعشت تجاربه، واختزنت فيه أجمل ذكرياتك.

أما مارادونا، فبالنسبة إلى جيلي لم يكن مجرد لاعب كرة قدم.

كان شيئًا آخر تمامًا.

كان لاعبًا اختزل كثيرًا من مهارات كرة القدم في قدم واحدة؛ مراوغة، سرعة، مهارة، ذكاء، ومتعة تجعل المشاهد ينسى أحيانًا أنه أمام مباراة كرة قدم، فيشعر وكأنه يشاهد عرضًا فنيًا.

وبما أنني كنت عاشقًا لكرة القدم، فقد كنت أمارسها أيضًا، وكنت أعتقد أنني مهاجم ممتاز.

نعم، كنت مهاجمًا ممتازًا... على الأقل هذا ما كنت أعتقده!

ولكن مسيرتي الكروية انتهت مبكرًا جدًا، ودون حفل اعتزال، ودون تكريم، ودون حتى أن يرفع أحد قميصي في الملعب!

والسبب؟

النظر.

في تلك الفترة بدأت عيناي تضعفان، لكنني كنت أرفض ارتداء النظارة الطبية، وأقنع نفسي بأنني لا أحتاج إليها.

وفي أحد الأيام شاركت في مباراة ضمن دوري المناطق.

بدأت المباراة، وكنت ألعب في خط الهجوم، وإذا بي أرى الكرة أمامي.

أخذتها من أحد لاعبي الفريق المنافس، وانطلقت بها بسرعة، ثم سددت الكرة وأسجل هدفًا!

يا جماعة الخير...

كان هدفًا سريعًا جدًا، واعتقدت في تلك اللحظة أنني ربما سجلت أسرع هدف في تاريخ كرة القدم!

فرحت بنفسي، وانتظرت أن يأتي المدرب ليهنئني على هذا الإنجاز التاريخي.

وفعلًا، أشار إليّ المدرب أن أخرج من الملعب.

قلت في نفسي:

«أكيد يريد أن يكرمني... ربما سيطلب مني إعادة الهدف أمام الجماهير!»

ذهبت إليه مبتسمًا، فإذا به يقول لي بكل هدوء:

«اذهب واشترِ لك نظارة طبية!»

نظرت إليه باستغراب.

فأكمل:

«لقد أحرزت هدفًا في مرمى فريقك!»

هنا فقط اكتشفت الحقيقة المرة.

أنا لم أكن مهاجمًا ممتازًا...

كنت فقط مهاجمًا لا يرى جيدًا!

وهكذا انتهت مسيرتي الكروية مبكرًا، واعتزلت كرة القدم دون مباراة تكريم، ودون جمهور يصفق لي، ودون حتى أن يقول لي أحد:

«شكرًا على ما قدمت للكرة!»

والحقيقة أنني بعد تلك الحادثة اقتنعت بأن هناك مواهب لا تحتاج إلى التدريب حتى تنتهي...

يكفيها أن تلبس نظارة!

ولنا في الذكريات حياة، وفي بعضها ضحكة لا تنتهي.

مع تحيات الولد الشقي سابقًا...

والحكواتي حاليًا.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

المرأة ليست سلعة للتسويق

قلب مطمئن ونفس راضية

نور الغسانية .. تجربة حياة