المشاركات

مذكرات حكواتي.. رحلتي إلى ديار الإنجليز

صورة
بقلم _ فايل المطاعني   أول رحلةٍ خارج حدود عُمان كانت إلى بريطانيا … ورغم أن السفر في الخليج لا نشعر معه بالغربة، لأننا بيتٌ واحد، وقلوبٌ متقاربة، وأرحامٌ تمتد من البحر إلى الصحراء، إلا أن الطائرة هذه المرة كانت تحملني إلى عالمٍ آخر، عالمٍ لا يشبه إلا الحكايات التي قرأناها في الكتب. نحن في عُمان نقول إن النسب تأتي به المرأة، ولذلك تجد أبناء العمومة والأخوال يمتدون من الخليج حتى العراق… وربما لو فتشنا أكثر، لوجدنا خيطًا من الحكاية يصل حتى ديار الإنجليز نفسها. وكان أخي الأكبر هو ذلك الخيط الذي قادني إلى الرحلة، فكنت كمن يمشي خلف الحكاية لا خلف الطائرة. عندما نزلت في لندن، لم تصافحني المدينة بالدفء، بل ببرودةٍ إنجليزيةٍ مهذبة، كأنها تقول: "أهلًا بك… ولكن لا ترفع صوت الدهشة كثيرًا." ابن الخليج الذي تعوّد على شمسٍ لا تمزح، وجد نفسه في طقسٍ يفاوضك على معطفك قبل أن يفاوضك على مزاجك. ومع ذلك… أحببت لندن. ليس شوارعها فقط، بل مكتباتها… وأنا — كما تعلمون — رجلٌ إذا سافر، لا يسأل عن المطاعم أولًا، بل عن المكتبات. فالمعدة تنسى، أما الروح فلا تنسى الكتاب الذي عانقها. دخلت مكتبات لندن وكأنن...

الوحدة الاختيارية

صورة
  هيام سلوم   الوحدة هي قرار بالانسحاب المؤقت من ضجيج العلاقات وفوضى العالم ، لإعادة ضبط البوصلة الداخلية . الوحدة هنا تشبه النحات الذي يذهبى إلى محترفه ليُنحت من الصخرة تمثالاً. فأنت تذهب إلى وحدتك لتنحت من الفوضى داخلك معنىً وشكلاً.  إنها ليست هروباً.  بل استراتيجية للبقاء في عالم يسرقك منه الآخرين وأفكارهم وتوقعاتهم. ويا للعجب!  في قلب تلك العزلة توجد ملذات نادرة لا يعرفها إلا من جرّبها . متعة أن تشرب فنجان قهوتك وأنت تفكر بهدوء .  متعة أن تقرأ كتاباً فتتوقف عند فقرة، وتحدق في السقف ساعات. في التصوف يُعدّ الصمت أسمى درجات العبادة، ،ووحدة المؤمن مع ربه هي ذروة الوصال ،كذلك وحدة الإنسان مع ذاته هي أعلى شكل من أشكال المعرفة.  هنا، في صمتك الطوعي ، قد تكتشف قوة لم تكن تعرفها، لأن ضجيج العالم كان يغطي على همسات روحك، الصمت ليس فراغاً، بل هو الوعاء الذي يمتلئ بذاتك، والمشي وحيداً في حديقة، أو الجلوس لوحدح في غرفة، يصبح طقساً يومياً لـتوليد الذات من جديد.   في عالم الوحدة لا تكون وحدك تماماً ،بل تدعو ضيوفاً من عالم الذاكرة، تجلس، وتفتح ألبوم الق...

ليلة سقوط "إمبراطور المخدرات ": مقتل "إل منتشو" يضع المكسيك على فوهة بركان

صورة
بقلم ناصر بن محمد الحارثي_سلطنة عُمان - مسقط تبلبا، المكسيك – فبراير 2026 في عملية عسكرية خاطفة وحاسمة، أعلنت السلطات المكسيكية عن مقتل "نيمسيو أوسيجيرا سيرفانتيس"، المعروف بلقب "إل منتشو"، زعيم "كارتل خاليسكو للجيل الجديد" (CJNG)، والذي كان يُعد أخطر مطلوب في العالم. هذه النهاية الدرامية لرجل بدأ حياته مزارعاً بسيطاً للأفوكادو، لم تكن مجرد نجاح أمني، بل كانت نتيجة ضغوط سياسية واقتصادية هائلة مارستها واشنطن على مكسيكو سيتي. من المزارع إلى "الظل" المطلوب دولياً ولد "إل منتشو" عام 1966 في ولاية ميتشواكان، وبدأ حياته بقطف الأفوكادو قبل أن تضطره الظروف للهجرة إلى سان فرانسيسكو. هناك، دخل عالم الجريمة وأُدين ببيع الهيروين، ليتم ترحيله لاحقاً إلى المكسيك. عودته كانت بداية التحول؛ حيث أسس كارتل "خاليسكو للجيل الجديد"، محولاً إياه من فصيل صغير إلى جيش نظامي يستخدم الطائرات المسيرة المفخخة والصواريخ والأسلحة الثقيلة، وسيطر على تجارة "الفنتانيل" القاتلة التي تفتك سنوياً بآلاف الشباب في الولايات المتحدة. ليلة السقوط: عملية ...

روزوود… حين احترق المكان وبقي الرماد شاهدًا على الصمت

صورة
بقلم ناصر بن محمد الحارثي _سلطنة عُمان   لم تكن روزوود مجرد بقعةٍ صغيرة على خريطة فلوريدا، بل كانت وعدًا هادئًا بالحياة. بيوتٌ خشبية متواضعة، كنيسةٌ يعلو منها الدعاء، مدرسةٌ يتعلم فيها الأطفال حروف الأمل، ومتاجر صغيرة تُقايض التعب بكسرة خبزٍ وشيءٍ من الكرامة. هناك، كان نحو مئتي روحٍ سوداء تحاول أن تعيش… لا أكثر. لكن التاريخ أحيانًا لا يحتاج إلى حربٍ كي يشتعل،يكفيه اتهام. في مطلع يناير من عام ١٩٢٣م، خرجت كلماتٌ مرتجفة من بلدةٍ مجاورة، ادّعت امرأةٌ بيضاء أن رجلًا أسود اعتدى عليها. لم ينتظر الغضب دليلًا، ولم ينتظر الحشد حقيقة. وفي الجنوب الأمريكي آنذاك،كان اللون وحده كافيًا ليصبح الإنسان هدفًا. تجمّع المئات. بنادق، مشاعل، ووجوهٌ يحرّكها خوفٌ قديم اسمه الكراهية. زحفوا نحو روزوود كما يزحف الليل نحو آخر خيطٍ من الضوء. سُحِب الرجال من بيوتهم، ضُرِبوا، أُطلِق عليهم الرصاص، وتحوّل الصراخ إلى لغةٍ أخيرة قبل الصمت. اشتعلت البيوت بيتًا بعد بيت، وكأن النار كانت تحفظ أسماء أصحابها. هربت العائلات إلى المستنقعات، اختبأت بين الماء والبرد والظلام، تحتضن أطفالها كي لا يسمعهم الموت. وبحلول السابع من ي...

رمضان بين الماضي والحاضر في سلطنة عمان

صورة
بقلم_ سمير الشحيمي يمثل شهر رمضان في سلطنة عمان لوحة أصيلة تمزج بين روحانية العبادة وعراقة التقاليد ، حيث يجسد التكافل الإجتماعي والتراحم في أبهى صوره. بين الماضي ببساطته وتلاحمه العفوي ، والحاضر بتطوره وتكنولوجياته ، تظل عادات مثل تبادل أطباق الطعام ، و "القرنقشوه" ، و"الهبطات" ركيزة عمانية أصيلة تعكس عمق التراث وتواصل الأجيال.  في الماضي كان رمضان في عمان يتسم ببساطة العيش وعمق العلاقات الإجتماعية. كان الإستعدادات لرمضان وجدانية وروحانية ، حيث يعتمد الناس على الرؤية المحلية للهلال ، وكان رمضان فرصة لختم القرآن وتعميق الأواصر. اقتصرت موائد الإفطار على التمور و اللبن و الخبز والقهوة ، مع الإعتماد على المنتجات المنزلية ، وكانت وجبات الإفطار بسيطة وتجمع الرجال في المساجد. لم يكن شهر رمضان شهر نوم ، بل كان الرجال والنساء يزاولون أعمالهم الدؤوبة في الزراعة والبحر رغم الصيام وطول ساعات النهار ومشقة الأعمال.   مع النهضة العمانية تغيرت أنماط الحياة ، لتصبح أكثر تنوعا وتطوراً ، وأصبحت الموائد الرمضانية أكثر تنوعا ، مع دخول الأطعمة المستوردة والجاهزة وانتشار التكنولوجيا ، مم...

حديث قبل النطق

صورة
بقلم: زهرة بنت سعيد الراسبي باتزانٍ تامٍّ حاول أن يُعدِّل ربطة عنقه، وهو يُحدِّق في نفسه في المرآة. كان شعره كثيفًا ومرتبًا، ومع ذلك مسحه برفق ليزيده انتظامًا. عيناه الواسعتان ترمشان بهدوء، ترسلان نظرةً فاحصةً إلى الصورة المنعكسة أمامه، ولونهما الرمادي يضفي على محيّاه مزيدًا من السكينة والوقار. في بهو دورة المياه، أثناء استراحة المؤتمر الدولي، وقف صامتًا لوهلة… ثم حدَّث صورته القابعة في المرآة: — هنيئًا لك أيها الجشع صفقة الملايين، التي كسبتها حيلةً كعادتك من جيوب الفقراء، لتزيد بها امتلاء جيبك. عضَّ على أسنانه خفيةً، وحدَّ من بصره أكثر، مستكملاً حديثه مع نفسه. انتبه لوجود زميلٍ بمحاذاته أمام المرآة ذاتها، فابتسم مرحِّبًا به، مخفيًا لحظة محاسبة النفس القصيرة. ردَّ زميله الابتسامة مجاملةً وخفّةً، دون أن يلحظ شرود نظره. ألقى نظرةً إلى ربطة عنقه، وحدَّثها: — تُرى كم كلَّفتِه لتزيِّني هيئته؟ كم حبّة عرق؟ كم قطرة دم؟ كم إحساسًا بالقهر وشعورًا بالظلم؟ ثم وجَّه نظره إلى صورته في المرآة وقال: — وأنت… كم حفرة حسرة أوقعتَ فيها مستحقًّا لم يعد يستحق؟ لأن ضميرك أضيق من أن يستوعب حقوق الآخرين. لا ت...

حدثني قلبي

صورة
بقلم:عبير سيف الشبلية "١"  حدثني قلبي بشعور جميل، وقبل أن تشتتني ألوان الغروب أرسلت لك بلهفة : _ أنظر من حولك وكأنك لست منهم، تنفس بعمق وارتواء.  لم تتحرك يدي حتى أرسلت لي : _ اتشح الأفق بشاله.. حمرة خفيفة تصل إلى أعيننا، بدفء مؤلف من مزيج من الأنسجة، ذو طبع يصعب فهمه.. ؟! "٢"  ذات صباح أرسلت لي :  _ عند مفترق طرق وجدنا غرباء بيننا شبه محير.. وجهك غريب علي وغير مألوف مني.. إلا أن حديثك المدهش أثار فضولي ..! سرعان ما أجبتك : _ ساعات الصباح الأولى تبدو منعشة..أتوق لرؤيتك وأسرح بخيالي.. أرى طيف ابتسامتك تنير وجهك.  كنت رائعا حينما تتكلم عن مغامراتك على المكشوف، فأستغرب حركاتك البهلوانية بانجذاب فأضحك بمرح. أرسلت وكأن الكون لا يتسع لأفكارك ..:  _ لا تنسي مابين الدقائق أحتاج لهمسة تشعرني بأنك تفكرين بي.  "٣"  ذات غروب مربك بالشوق والحنين ، أرسلت تقول لي : _ هذا المساء يبدو خانقا وغير عادي.. ولقد خالط حمرته سواد.. و ختمتها بخبث " يحرك قلبك يهز وجدانك"  أجبتك :  _ لا أحب هذه النظرة في عينيك.  سرعان ما أرسلت لي : _ أنت تتحدثين دائما كأنك ...