بقلم _ فايل المطاعني
أول رحلةٍ خارج حدود عُمان كانت إلى بريطانيا…
ورغم أن السفر في الخليج لا نشعر معه بالغربة، لأننا بيتٌ واحد، وقلوبٌ متقاربة، وأرحامٌ تمتد من البحر إلى الصحراء، إلا أن الطائرة هذه المرة كانت تحملني إلى عالمٍ آخر، عالمٍ لا يشبه إلا الحكايات التي قرأناها في الكتب.
نحن في عُمان نقول إن النسب تأتي به المرأة، ولذلك تجد أبناء العمومة والأخوال يمتدون من الخليج حتى العراق… وربما لو فتشنا أكثر، لوجدنا خيطًا من الحكاية يصل حتى ديار الإنجليز نفسها.
وكان أخي الأكبر هو ذلك الخيط الذي قادني إلى الرحلة، فكنت كمن يمشي خلف الحكاية لا خلف الطائرة.
عندما نزلت في لندن، لم تصافحني المدينة بالدفء، بل ببرودةٍ إنجليزيةٍ مهذبة، كأنها تقول:
"أهلًا بك… ولكن لا ترفع صوت الدهشة كثيرًا."
ابن الخليج الذي تعوّد على شمسٍ لا تمزح، وجد نفسه في طقسٍ يفاوضك على معطفك قبل أن يفاوضك على مزاجك.
ومع ذلك… أحببت لندن.
ليس شوارعها فقط، بل مكتباتها…
وأنا — كما تعلمون — رجلٌ إذا سافر، لا يسأل عن المطاعم أولًا، بل عن المكتبات. فالمعدة تنسى، أما الروح فلا تنسى الكتاب الذي عانقها.
دخلت مكتبات لندن وكأنني أدخل بيوت أصدقاء قدامى، وتخيلت نفسي أمشي في الأزقة التي ربما مرّ بها يومًا Charles Dickens، وتساءلت بيني وبين نفسي:
هل المدن تحفظ خطوات كتّابها كما تحفظ الأمهات خطوات أبنائهن؟
ثم أخذتني الرحلة إلى ضفاف نهر التايمز، حيث جلست طويلًا أراقب الماء وهو يحكي بصمت، فالحكواتي الحقيقي هو من يتعلم كيف يسمع الحكايات التي لا تُقال.
زرت بعدها British Museum، وهناك شعرت أن التاريخ لا يعيش في الكتب فقط، بل في الصمت الذي يملأ القاعات. كنت أمشي بين الحضارات كمن يمشي بين فصول روايةٍ طويلة، وكل قطعة أثرية تهمس: "كنت يومًا حياةً كاملة."
ولأن القلب لا ينسى شغفه الكروي، كان لا بد من زيارة مدينة مانشستر… حيث يقيم الحلم الأزرق، نادي Manchester City.
هناك أدركت أن كرة القدم ليست مباراة فقط، بل ذاكرة عائلية تنتقل من الآباء إلى الأبناء، تمامًا مثل الحكايات.
ربما الحب يُورَّث… وربما نحن لا نرث إلا ما أحبّه آباؤنا بصدق.
وفي إحدى زوايا الرحلة، وجدت نفسي في مقهى صغير أراقب المطر الإنجليزي الخفيف، ذلك المطر الذي لا يبللك بقدر ما يجعلك تفكر. هناك تذكرت أيام الثانوية العامة…
النتائج التي كانت تُعلن عبر المذياع، القلوب المرتجفة، وصوت الأغنيات التي كانت تزرع فينا خوفًا جميلًا، ومن بينها صوت عبد الحليم حافظ الذي كان يجعل النجاح يبدو كأنه معركة وطنية.
كانت تلك الرحلة هدية والدي بعد النجاح… وكنت يومها أظن أن الهدية هي السفر، لكنني اليوم أدرك أن الهدية الحقيقية كانت الذكرى.
عدت من بريطانيا ومعي معطف لم ألبسه كثيرًا، وصورٌ لا تشبه ما رأته الكاميرا، وحكاياتٌ أكبر من حقيبة السفر.
فالحكواتي لا يعود بالهدايا… بل يعود بما يصلح أن يُحكى.
وهنا أترككم الآن…
فالحكاية لم تنتهِ بعد، وما زال في جعبة الحكواتي مقاهٍ، ومحطات قطار، ووجوهٌ عابرة علّمتني أن السفر الحقيقي هو أن تعود شخصًا مختلفًا.
ولنا لقاء قريب مع مغامراتٍ جديدة من مذكرات الحكواتي… فانتظروني.

تعليقات
إرسال تعليق