الوحدة الاختيارية

 هيام سلوم 

الوحدة هي قرار بالانسحاب المؤقت من ضجيج العلاقات وفوضى العالم ، لإعادة ضبط البوصلة الداخلية .

الوحدة هنا تشبه النحات الذي يذهبى إلى محترفه ليُنحت من الصخرة تمثالاً.

فأنت تذهب إلى وحدتك لتنحت من الفوضى داخلك معنىً وشكلاً.

 إنها ليست هروباً.

 بل استراتيجية للبقاء في عالم يسرقك منه الآخرين وأفكارهم وتوقعاتهم.

ويا للعجب!

 في قلب تلك العزلة توجد ملذات نادرة لا يعرفها إلا من جرّبها .

متعة أن تشرب فنجان قهوتك وأنت تفكر بهدوء .

 متعة أن تقرأ كتاباً فتتوقف عند فقرة، وتحدق في السقف ساعات.


في التصوف يُعدّ الصمت أسمى درجات العبادة، ،ووحدة المؤمن مع ربه هي ذروة الوصال ،كذلك وحدة الإنسان مع ذاته هي أعلى شكل من أشكال المعرفة. 

هنا، في صمتك الطوعي ، قد تكتشف قوة لم تكن تعرفها، لأن ضجيج العالم كان يغطي على همسات روحك، الصمت ليس فراغاً، بل هو الوعاء الذي يمتلئ بذاتك، والمشي وحيداً في حديقة، أو الجلوس لوحدح في غرفة، يصبح طقساً يومياً لـتوليد الذات من جديد.  

في عالم الوحدة لا تكون وحدك تماماً ،بل تدعو ضيوفاً من عالم الذاكرة، تجلس، وتفتح ألبوم القلب، وتستدعي الوجوه التي رحلت، والمواقف التي شكلتك، والأحلام التي طواها الزمن، تتحدث مع نفسك عنهم، تسأل وتجيب، أحياناً تضحك على طفولتك، وأحياناً تدمع على غفلتك 

تُلملم شتات نفسك من كل المراحل التي عشتها، وتجمعها في غرفة واحدة.

فتتأكد أنك كيان متصل، ليس شظايا متناثرة، جعلت من الوحدة ضيفاً تستأنس به، لا غولاً تهابه.

تعليقات