دراسة نقدية لرواية جريمة في بوردو للكاتب فايل المطاعني
بقلم : سمر جهاد ابراهيم ( أفروديت )
قراءة في رواية «جريمة في بوردو» بقلم: فايل المطاعني الحكواتي
منذ الفصل الأول ينجح فايل المطاعني في جذب القارئ إلى عالم بوليسي قائم على التشويق والتضليل الذكي حيث تبدو الحقيقة واضحة في ظاهرها، لكنها تتوارى خلف طبقات من التفاصيل التي لا تكشف قيمتها إلا مع تقدم الأحداث.
تتحرك فصول الرواية كقطع شطرنج؛ فكل فصل يضيف ورقة جديدة إلى التحقيق، دون أن يمنح القارئ إجابة مجانية. وبين بوردو الفرنسية، بما تحمله من جمال وتاريخ، وبين خيوط الجريمة المتشابكة، يوازن الكاتب بين الوصف والحوار، فلا يطغى أحدهما على الآخر، كما يخفف من توتر الأحداث بلمسات إنسانية وعائلية منحت الشخصيات دفئًا وقربًا من القارئ.
ومن أبرز عناصر القوة أن الرواية لم تعتمد على المصادفات، بل جعلت كل شخصية، مهما بدا دورها صغيرًا، تحمل مفتاحًا يقود إلى الحقيقة. فكانت روجينا، وروز، وليلي، ومنى، ورينو، وحتى أم هزاع، أجزاءً متكاملة في نسيج الحكاية، بينما بقي العميد حمد الشميسي يمثل العقل الهادئ الذي يجمع الخيوط حتى تتكشف الصورة كاملة.
كما نجح الكاتب في تضليل القارئ بذكاء، متنقلًا بين فرضية المافيا، ثم هنري، ثم مصطفى، قبل أن يقلب المشهد في النهاية، ليؤكد أن الجريمة لا تكشفها المظاهر، بل تكشفها التفاصيل الصغيرة التي يغفل عنها الجميع.
ولعل أجمل ما في الرواية أنها لا تقدم بطلًا خارقًا، بل محققًا ينتصر بالملاحظة والصبر وتحليل الأدلة، في رسالة تؤكد أن العدالة لا تُبنى على الظنون، وإنما على الحقيقة.
«جريمة في بوردو» تجربة سردية تؤكد أن الرواية البوليسية العربية قادرة على أن تقدم عملًا مشوقًا يجمع بين متعة الحكاية وحسن بناء الحبكة. ومن هنا، فإن فايل المطاعني الحكواتي يمتلك مشروعًا واعدًا في هذا اللون الأدبي، يستحق أن يواصل تطويره والإبحار فيه. ونأمل أن تحمل ملفات العميد حمد الشميسي القادمة قضايا جديدة أكثر عمقًا وإثارة، فمثل هذه الأعمال تسهم في إثراء الأدب البوليسي العربي، وتمنح القارئ متعة البحث عن الحقيقة حتى السطر الأخير.

تعليقات
إرسال تعليق