ظلّ الغياب
هناء درويش
كان يمشي في المدينة كأنّه يمشي في قلبه.
الطرقات ضيّقة، لكن صدره أضيق، والسماء منخفضة كغيمةٍ تعبت من البكاء.
توقّف عند شجرة وحيدة في ساحة مهجورة، لمس جذعها، وهمس:
"أنا لستُ إلا مسافرًا في دمي،
أحمل الوطنَ على كتفي
كما يحمل الغيمُ ماءهُ الغائب."
تذكّر باب البيت القديم، صوت أمّه حين كانت تناديه من خلف الغروب، ورائحة الخبز التي كانت تملأ الفراغ الذي لم يكن يعرف اسمه آنذاك.
قال لنفسه وهو يبتسم بحزن:
"لي قلبٌ إذا ما ضاقَ بالوقتِ انحنى،
وإذا اتّسعَ للريحِ… صار سماء."
مرّت امرأة تشبه حلمًا مؤجّلًا. لم تأخذ منه شيئًا سوى نظرة.
لكنها تركت في داخله سؤالًا يلمع كالحجر:
من أنا… إذا لم يذكرني أحد؟
جلس على الرصيف، وكتب بإصبعه فوق الغبار:
"نحن الذين إذا خسرنا الجهاتِ كلّها،
نربح الطريقَ إلى السؤالْ…
ونؤنس الوحشةَ بالأملِ المؤجَّل."
وحين قام ليغادر، شعر أنّه لم يعد وحيدًا تمامًا،
كان يمشي وفي داخله شيء يشبه وطنًا صغيرًا…
ينبض،
ويقاوم،
ويبتسم..

تعليقات
إرسال تعليق