حكايات من السودان..الحكاية الاولى
بقلم : فايل المطاعني
في الطريق الطويل الممتد داخل الصحراء العُمانية، حيث تمتد الرمال بلا نهاية وتتعانق أعمدة النفط مع الأفق، جاءتني هذه الحكاية بلا موعد. كنتُ متجهًا إلى عملي حين صعد شاب سوداني في مقتبل العمر إلى الحافلة مسرعًا، كمن يلحق بآخر خيط من الوقت. جلس بجانبي وهو يلهث قليلًا، فعرفت أنه قادم مباشرة من المطار إلى مقر العمل، بلا راحة ولا توقف. حينها فقط فهمت غياب تلك الأناقة السودانية التي اعتدناها على “الزول السوداني” في السفر والترحال.
مرت عشرون سنة على آخر زيارة لي للسودان، وأدرك جيدًا أن الكثير قد تغيّر. ولذا بدأتُ حديثي معه لأستعيد شيئًا من رائحة الوطن التي اشتقت إليها.
سألته عن السودان بعد الانتفاضة وسقوط حكم البشير. كررت السؤال، لكنه لم يجب. التفتّ إليه فوجدته مستغرقًا في سماعات هاتفه، يتأرجح مع أغنية سودانية لا أعرفها. ابتسمت، ثم ناديت بصوتٍ أعلى قليلاً:
— يا محمد!
فانتفض بخجل لطيف، وقال:
— آسف يا خوي… ما كنت منتبه.
تعرفنا، ثم عدت إلى سؤالي عن السودان، لكنه هزّ رأسه ضاحكًا وقال:
— خلي أخبار السودان… سمعت بالمغنية اللي أداها واحد من معجبيها سيارة فخمة؟
رفعت حاجبيّ بدهشة:
— سيارة؟! هل هي مشهورة إلى هذا الحد؟
ضحك قائلًا:
— واضح إنك ما متابع فن القونات!
توقفت الكلمة في أذني… القونات؟!
لم أسمع بها من قبل. اعتذرت له بأنني بعيد عن الساحة الفنية منذ فترة، وأن آخر حفلة حضرتها كانت للفنان الكبير صلاح بن البادية، يوم لم أجد مقعدًا واحدًا بين الحضور من شدة الإقبال.
لكنّ ذكرى ذلك الهرم السوداني لم تُحرّك فيه شيئًا. تجاوز الاسم كأنه لا ينتمي إلى قائمة الفنانين أصلًا، وعاد ليتحدث بحماسة عن تلك “القونة” التي تبرعت بأجر حفل كامل لدعم الشباب.
كان الأمر يثير شيئًا من الغرابة داخلي؛ أنا أتحدث عن رمز من رموز الفن السوداني، بينما يحدثني هو عن موجة فنية جديدة تمامًا عليّ.
سألته بلهجة تجمع بين المزاح والعتب:
— تعرف صلاح بن البادية؟
فأجاب ببرود شديد:
— والله لو كان سوداني كنت عرفته!
عندها أدركت أن جيلًا كاملًا بدأ يعرف السودان عبر “القونات” فقط، بينما تتلاشى في ذاكرته أسماء العمالقة الذين صنعوا وجدان الناس لسنوات طويلة.
أسندت ظهري إلى المقعد، وأطلقتُ تنهيدة طويلة، ثم همستُ لنفسي أستعيد جمال ما حفظناه من زمن الفن:
سال من شعرها الذهب
فتدلى وما انسكب
كلما عبثت به
نسمة ماج واضطرب…
كانت تلك اللحظة كافية لأدرك أن الزمن يمضي… وأن الفن يتغير… وأن لكل جيلٍ أغنيته، وصوته، وطريقته في النظر إلى الجمال.
لكن السودان…
سيظل دائمًا يجمعنا، مهما اختلفت ألحاننا.

تعليقات
إرسال تعليق