عبد الرحمن الجبرتي… مؤرّخ مصر الأول وذاكرة التحوّل من العثمانيين إلى العصر الحديث


يُعدّ عبد الرحمن بن حسن الجبرتي (1756–1825م) واحدًا من أهم المؤرخين العرب والمصريين الذين وثّقوا مرحلة مفصلية من تاريخ مصر، في فترةٍ شهدت انقلابًا سياسيًا وفكريًا وحضاريًا هائلًا، من أواخر العصر العثماني مرورًا بالحملة الفرنسية وصولًا إلى بدايات حكم محمد علي باشا. وقد اكتسب الجبرتي مكانته المرموقة ليس فقط بسبب قربه من الأحداث، بل بسبب أسلوبه الدقيق في الرصد والتحليل، واعتماده على المشاهدة المباشرة والوثائق والشهادات.

أولًا: النشأة والخلفية العلمية

وُلد الجبرتي في القاهرة لأسرة تنتمي إلى الجبرت – أهل الحبشة – وكانت عائلته معروفة بالعلم والفقه. تلقّى تعليمه في الأزهر الشريف، حيث درس:

  • الفقه الشافعي
  • علوم اللغة العربية
  • علوم الحديث
  • الحساب والفلك
  • وبعض المعارف التي كانت متداولة في عصره

وقد عاش في بيئة علمية جعلته قريبًا من كبار العلماء والوجهاء، مما زوّده بخبرة اجتماعية وسياسية مكّنته من فهم المجتمع المصري بكل طبقاته.

ثانيًا: الجبرتي شاهد عصره

تميّز الجبرتي بشيء نادر في المؤرخين:
أنه عاش معظم الأحداث التي كتب عنها بشكل مباشر، بل كان ضيفًا على مجالس الحكام، وحاضرًا في لحظات حاسمة مثل:

  • دخول الفرنسيين إلى مصر بقيادة نابليون
  • مقاومة المصريين للحملة
  • فترة الجنرال مينو
  • الصراع بين المماليك والعثمانيين
  • بداية حكم محمد علي وثوراته الإصلاحية

وقد جعله هذا الارتباط بالأحداث مؤرخًا حيًا، يسجل التفاصيل اليومية بدقة بالغة.

ثالثًا: منهج الجبرتي في الكتابة والتوثيق

اتبعت كتاباته أسلوبًا يجمع بين:

1. التسجيل اليومي للأحداث

يذكر اليوم والشهر والسنة، ويكتب ما جرى بالتفصيل، وكأنه يدوّن في “دفتر يوميات”.

2. الموضوعية النسبيّة

على الرغم من تعاطفه مع العلماء وطبقة الأزهر، فإنه كان ينتقد الأخطاء بوضوح، سواء كانت من الحكام أو الناس.

3. المقارنة والتحليل

لم يكتفِ بالسرد، بل كان يقارن بين أساليب الحكم، ويصف أحوال الناس الاقتصادية والاجتماعية.

4. رصد أحوال العامة

وهي ميزة نادرة؛ إذ كان يصف الأسواق، الأسعار، العادات، الاحتفالات، الأزمات، وحتى الطرائف اليومية.

رابعًا: أشهر مؤلفات الجبرتي

1. عجائب الآثار في التراجم والأخبار

أشهر كتبه وأضخمها، وهو موسوعة تاريخية تغطي 80 عامًا من تاريخ مصر.
يمتاز بدقة الوصف والسرد الزمني المتتابع، ويعتبر أهم مصدر للحملة الفرنسية.

2. تاريخ الجبرتي أو “مظهر التقديس بذهاب دولة الفرنسيس”

كتاب ركّز فيه على الحملة الفرنسية، وقدم رؤية المصريين للأحداث.

3. مذكرات أخرى

لم تُجمع كلها، لكن بعضها وصل إلينا كاملًا وبعضها منقول عن تلاميذه.

خامسًا: الجبرتي والحملة الفرنسية

كان الجبرتي من أوائل العلماء الذين تعامل معهم نابليون.
وظهر في كتاباته مزيج من:

  • الدهشة من التنظيم الفرنسي
  • النقد للغزو العسكري
  • الإعجاب بتقدم العلوم
  • الاستياء من الصدام الثقافي بين المصريين والفرنسيين

وقد نقل لنا تفاصيل دقيقة عن شخصيات الحملة، مثل نابليون وكليبر ومينو، ووصف الحياة اليومية في القاهرة تحت الاحتلال.

سادسًا: موقفه من محمد علي

رغم إدراكه لقدرات محمد علي السياسية، إلا أن الجبرتي:

  • انتقد قسوته في فرض السلطة
  • عارض سياسة الضرائب الثقيلة
  • رفض قتل المماليك غدرًا
  • هاجم فرض التجنيد الإجباري

ويُروى أن هذا النقد كان أحد أسباب التضييق عليه في أواخر حياته.

سابعًا: النهاية والحزن

فقد الجبرتي ابنه "عمر" الذي كان نابغة في الرياضيات على يد جنود محمد علي، فدخل في عزلة شديدة.
وتُوفي سنة 1825م، بعد أن ترك تراثًا تاريخيًا جعل منه “عين مصر التي رأت التحول الكبير”.

ثامنًا: قيمة الجبرتي في التاريخ العربي

يُعدّ الجبرتي مؤرخًا من طراز فريد لأنه:

  • وثّق مرحلة الانتقال من التقليدية إلى الحداثة
  • ترك لنا سجلًا حيًا للحياة المصرية
  • اعتمد على لغة عربية فصيحة ممزوجة بالسرد الواقعي
  • كشف ملامح المجتمع من الداخل
  • قدّم نموذجًا لأمانة المؤرخ وصدق الشاهد

لذلك، يُطلق عليه الكثيرون لقب:
«ابن خلدون العصر الحديث»
وآخرون يرونه:
«ذاكرة مصر الحية».

يبقى عبد الرحمن الجبرتي قامةً لا تتكرر في التاريخ العربي؛ مؤرخًا جمع بين العلم، والشهود، والدقة، والجرأة، فوضع بين أيدينا صفحاتٍ لا تقدّر بثمن لفهم مصر بين القرنين الثامن عشر والتاسع عشر. وما زالت كتاباته حتى اليوم مرجعًا أساسيًا للباحثين في التاريخ الاجتماعي والسياسي للحملة الفرنسية والعصر العثماني وبدايات النهضة المصرية.


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

المرأة ليست سلعة للتسويق

قلب مطمئن ونفس راضية

وميض مياسة