تزاحم المشاعر

 ليلي حسيب


 لم يكن "سالم" يعرف كيف يمكن للقلب أن يتسع لكل هذا الزحام.

عاد من عمله مثقَلًا كأنه يحمل السوق كله على كتفيه، لا مجرد يومٍ عابر. فتح باب البيت، فإذا بالهواء نفسه متوتر، كأن الجدران تعرف ما لا يريد قوله.

كانت أمه في المطبخ، صوت الملاعق يرنُّ كتنبيه خفيف لكنه لاذع.
وقف عند العتبة، لا يتقدم ولا يعود.
قالت دون أن تنظر إليه:
"مالك؟ وشك مش راكب على بعضه."

ابتلع ريقه، شعر أن الكلام واقف عند حجرة صمّاء في صدره.
فرحٌ صغير يحاول أن يرفع رأسه—بشارة.
حزنٌ ثقيل يمسكه من قدميه—خسارة.
خوف يتقافز—ماذا لو فشل؟
وحنين يبحث عن صدر يحكي له—أمه.

لكنه ظل ساكتًا.

اقتربت منه خطوة، وكأنها تمسح عن وجهه الغبار.
قالت بهدوء هادئ، ذلك الهدوء الذي كان يميّز أمّهات الريف حين يشعرن أن أولادهن على وشك الانكسار:
"الكلام يا ابني ما بيعضّش… اتكلم."

تنهد. سقطت الكلمات من فمه لا خروجًا، بل هروبًا.

"اتقبلت في الشغل الجديد… بس لازم أسافر.
وأنا… مش عارف أفرح ولا أتوجع."

نظرت إليه طويلًا. نظرة واحدة فقط، لكنها كانت كافية لتقلب المعركة بداخله.
ربتت على كتفه:
"هو حدّ يا سالم اتولد من غير ما قلبه يتخانق؟
الفرح يخبط في الحزن… الحنين يشد من ناحية… والخوف يزن.
بس في الآخر… اللي يمشيك هو اللي يفيدك."

جلس على الكرسي الخشبي العتيق.
شعر فجأة أن صدره يتهوى، المساحة الضيقة بداخله اتسعت،
وكأن جملة واحدة من أمه كانت قادرة تفك اشتباك المشاعر كلها.

أغمض عينيه.
قالت له بصوت منخفض، فيه حنان غلب الدنيا:
"روح… وخلّي الفرصة تكسب."

حينها فقط، استطاع أن يبتسم.
ولأول مرة منذ يومين، شعر أن الزحام داخله ليس حربًا…
بل حياة تتحرك.


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

المرأة ليست سلعة للتسويق

قلب مطمئن ونفس راضية

وميض مياسة