إلى صديقي مصعب الرمادي
بقلم د. فائز بشير البدوي محمد
ها هي ورقة أخرى تسقط.."
النزول من شجرة العائلة
في تلك البلدة النائية، كان الشتاء يعيد إنتاج نفسه وكأنَّه يحنُّ إلى زمان لم يأت بعد، لم تكن حنان عابثة، و لا بائعة هوى، لكنَّ شيئًا ما داخلها كان يتوق للتحرُّر، كانت مجرد فتاة شابة تبحث عن شيء ما. تبحث عن هويَّتها، مكان يمكن أن تنتمي إليه بعيدًا عن قيود العائلة وضغوط المجتمع. وحينما أدركت أنَّ العالم أوسع بكثير مما كانت تتصوَّر. بدأت بأنَّ روحًا جديدة تتشكَّل بداخلها، روحًا تسعى إلى شيء أكثر من مجرد الإنصياع لما هو متوقَّع منها. ظلّت تبحث عن الطريق الذي يقودها إلى تلك الهوية الجديدة، إلى مكان تنتمي إليه بكامل إرادتها، مكانًا يمكِنُها فيه أن تكون نفسها دون الخوف من الإنتقاد أو الحاجة لتبرير ذلك، انجرفت حنان مع التيار، سحبتها تيارات الرغبة إلى الانسجام مع مجتمعها الغربي الجديد، و كأنَّها كانت تحرص على رسم صورة لها تكون مشابهة لرفيقاتها اللَّواتي عرفن كيف يتكيَّفن مع هذا العالم المتحرر.
كانت تعلم أنَّ هذا الطريق ربَّما يحمل في طياته مخاطر ومخاوف شتى، لكنَّ حبُّ المغامرة كان دافعاً لها للتغيير حتى و لو أدّى ذلك بها للنّزول من شجرة العائلة.
كانت حنان تشاطر أمها وأختها بيتًا دافئًا، بينما لم يكن يفصل بين والدهم المفجوع وقضبان سجن المدينة في تلك اللحظة، سوى طريق واحد، طريق احتشد بصراع الحضارات، وألغاز الهوية، ومعضلة الانتماء. إلى جانب تلك المشاهد القاسية، كانت أوراق الأشجار الصفراء المتناثرة على جانبي الطريق، تواصل في التساقط، وكأنها تمدّ لسانها لحسن في تحدٍ واضح، و شاهدة على هذا المأزق الذي يمرّ به الجميع.
حزن حسن بشكل هادئ أثناء وداعه أسرته، و ما أحزنه أكثر هو ألَّا تكون إبنته الحبيبة حنان بينهم، كم تاق في تلك اللَّحظة لمعانقتها و احتوائها بحميمية، تمنَّى لو لم يرفع يده عليها في آخر نقاش دار بينهما، تمنَّى لو قُطعت يده قبل أن تؤذيها، تلك الحادثة التي دفعت حنان للإتصال بالشرطة واتِّهامها له بسوء المعاملة، كان شعوره بالندم حاداً وصاخباً، أضفى المزيد من الثقل على هذا الوداع المر.
أخذ حسن يستعرض ذكرياته، بدت له تلك الذكريات وكأنَّها فصل جديد لرواية صاغتها لهم الحياة دون إذن منهم، ففي الآونة الأخيرة لم تعد مائدة العشاء تحمل ذلك الحماس الذي كانوا يتقاسمونه وكأنَّ الإحتفاء بكلِّ لقمة يتناولونها معاً صار شيئاً من الماضي، مرَّت عدَّة أيام لم تكن فيها حنان معهم على مائدة العشاء كالمعتاد، فقد اختفت بشاشتها شهوراً عُدَّة، اختارت حنان أن تعلن عن انسحابها الصامت، تاركة خلفها فراغًا لا يمكن ملؤه إلا بالذكريات..
في تلك اللَّحظة و عندما كانت الشاحنة الصغيرة تقف في إشارة المرور بوسط المدينة كان قلبه يدقُّ بقوَّة، كلِّ نبضة، تحمل معها توتراً يزحف إلى عروقه كأنما ينتظر كارثة لا مفرَّ منها. ومع كلِّ ثانية تمر، كان الخوف يلتهم شيئاً من روحه، تاركًا وراءه قلقًا لا يمكن تجاهله.
قال لنفسه : (حسن الرجل المؤسسة!!، الآن في أتعس نسخة منه على الإطلاق).
حاول حسن جاهداً أن يتجنب تذكُّر مقولة كان يرددها أحد أصدقائه الماركسيين : "كل صفات الإنسان يكتسبها بالوراثة إلا الشكشكة، فهي مجهود شخصي". لم يكن حسن متأكدًا لماذا اختار معارضة هذه الفكرة الآن، الأنها لا يجوز ينعت بها ابنته، أو التزاماً منه بالتعهُّد الذي وقَّعه على نفسه في قسم الشرطة، الله أعلم، ومع ذلك كله، فإن تلك المقولة كانت تتردد في ذهنه بشكل أثار بداخله تساؤلات عميقة حول طبيعة الإنسان وما إذا كان قدره مرسومًا له منذ البداية، أم أنَّه يصنع مصيره بيديه.
كان حسن يجلس صامتاً في المقعد الخلفي لمؤخرة تلك الشاحنة المغلقة التي تقلُّه إلى السجن، بينما كان الهواء البارد يتسلَّل من بين فتحاتها الصغيرة، ومع كلِّ أهتزار للشاحنة يبدو له العالم وكأنَّه قد تحوَّل للَّون الرمادي القاتم، لا مكان للفرح في هذا العالم. فقد قرَّرت الحياة نفسها أن تتركه وتذهب في حال سبيلها، شعر حسن بأنَّ روحه تبتعد أكثر عن ذلك العالم الذي عرفه، استرجع للمرَّة الألف تلك السنوات التي مرَّت، السنوات التى بدأت فيها الأمور تتغير تدريحياً، كبرت البنتان، وبدأت الفجوة بينه وبينهما تتَّسع. و جاءت الأيام التي بدأت فيها ابنته الكبرى حنان تُظهر تمرُّدها، حينما كانت تعود متأخرة إلى البيت، وتغيب أحياناً عن العشاء، و تبيت خارج المنزل أحياناً أخرى، وفي تلك اللَّيلة المشؤومة، عندما جاءت حنان و أعلمتهم أنَّها تعمل في ملهى ليلي، أشتعلت نيران غضبه لم يكن يريد سوى حمايتها من ذلك المسار، لكنَّ اندفاعه قاده إلى ضربها...
بدأت الشاحنة تتراجع قليلاً مبتعدة عن الجسر، شعر حسن بأن الأرض التي اعتاد الوقوف عليها قد بدأت تتلاشى. لم يكن يعلم ما الذي ينتظره في المستقبل، ولكنَّه كان متأكِّدا من أنَّ شيئاً ما قد تحطَّم بداخله. ربَّما كبرياؤه، أو ربَّما قلبه. الشيء الوحيد الذي عرفه بيقين هو أنَّ خسارة ما قد وقعت، خسارة لا يمكن استعادتها. لم يكن يعرف كيف سيعيد ترتيب عالمه بعد كلِّ الذي حصل، لكنَّه كان يعلم أن شيئًا ما لن يعود كما كان.
عند وصولهم إلى بوابة السجن، ألقى حسن نظرة أخيرة على المدينة من خلفه. كانت الأضواء تتلألأ في الأفق البعيد، لكنَّها للأسف لم تلهمه طريقًا للعودة. كان يعلم أنَّ رحلته في هذا المسار الجديد قد بدأت، ولكنَّه لم يكن متأكدًا إلى أين تأخذه في مقبل الأيام.

تعليقات
إرسال تعليق