حكايات من السودان..الحكاية الثالثة – الرحيل
بقلم الكاتب العُماني: فايل المطاعني
«وليد و ريان»
كان وليد يحدّق في ساعة الحائط كأن عقاربها تمارس عليه قسوة الزمن، تعلن اقتراب موعد الرحيل، وتفتح في قلبه بوابة من وجع لا يريد لها أن تُفتح. ينظر مرة إلى الساعة، ومرة إلى ريان التي تحاول جاهدة أن تُخفي دموعًا تنفلت رغماً عنها، تتساقط في خجل على وجنتيها. لم يكن وليد محبًّا للسفر يومًا؛ وآخر مدينة زارها كانت قرية الكدرو حيث تسكن عائلته، يذهب إليهم ويعود سريعًا إلى دفء بيته. لكن هذه الرحلة ليست إلى قرية ولا مدينة… إنها مغادرة للوطن نفسه بحثًا عن لقمة العيش.
وقف وليد أمام الساعة وقلبه يرتجف، يريدها أن تتوقّف، أن تتجمّد، أن تُبطِل قرار الرحيل. ثم خطا – بخطوات أثقل من جبال – نحو غرفة أطفاله كي يودّعهم. كان يحبس دموعه حربًا، فهو لن يستيقظ غدًا على وجه ابنته وهي تبتسم له وتقول: «بابا… صباح الخير»، ولن تمتد يدها الصغيرة لتقبّل يده حين تعود من المدرسة وتروي له حكايات يومها. توقّف فجأة، بدا له أن غرفة ابنته أبعد مما يظن، وكأن المسافة صحراء لا نهاية لها. جسده توقّف عن الطاعة، وركبتاه ارتجفتا، فامتدت يده تبحث عن كرسي قريب، جلس عليه وهو يحدّق في الساعة نفسها… التي لا تزال تمضي غير مبالية.
اقتربت منه ريان بخطوات هادئة. كانت تبتسم محاولة إخفاء خوف يشتعل في صدرها. وضعت يدها على رأسه بحنان أمّ لا زوجة فقط.
قالت: «وليد… وليد، تسمعني؟»
رفع رأسه وقد لمح آثار دموع أصرّت صاحبتها أن تُخفيها.
قال: «نعم… أسمعك.»
سألته بصوت متردد: «هل لابد من السفر؟»
تعثرت الكلمات على لسانه، فهو يعلم أن الشرح موجع، وأن الحقيقة أقسى من كل المواساة. لكنه قال أخيرًا:
«نعم… أنتِ تعرفين الحال. لا بدّ من الرحيل. سنتان فقط… وأعود. لا تقلقي.»
وحاول أن يبتسم، ضحكة خفيفة لا تشبهه ولا تخدع قلبها.
لم تستطع ريان أن تحافظ على ابتسامتها، فانهارت الدموع من عينيها، وعندما بكت… بكى وليد معها. وبين دموعها قالت بصوت مكسور:
«أيها الفقر اللعين… أخذت زوجي مني، فهلّا رحلت عنّا وتركت لي رجلي؟ لنربي أبناءنا… ونزرع حقلنا… ونعيش كما يريد الله لنا… أرجوك… ارحل.»
تمّت.

تعليقات
إرسال تعليق