حكايات من السودان..الحكاية الثانية
بقلم الكاتب العُماني: فايل المطاعني
في قلب السودان، بين نهر النيل وسماءه الواسعة، تنبثق حكايات لا تشبه غيرها من الحكايات… حكايات تحمل الشجن والحنين، وتروي قصص الإنسان الذي يترك أثره في الأرض وفي القلوب.
هذه واحدة من تلك الحكايات، حكاية أمّ صبرت على الغياب، وانتظرت الابن الذي رحل بحثًا عن حياة أفضل، ولكن حبه لم يغب عنها، ولا ذكره عن قلبها.
المسلمية، الجميلة، كانت مسرح طفولة زاهر، حيث تربّى بين أهلها وترابها، وتعلّمت أمّه شادية أن الحب والصبر والذكريات لا تفارق القلب حتى وإن ابتعد الأحباب.
الحكاية الثانية: زاهر… شادية عبدالله
حين تتحدث عن الفقد، فهي لا تقصد موتًا يُغلق معه الأبواب إلى الأبد…
بل تقصد ذاك الغياب الذي يبقى صاحبه حيًّا، لكن القلب لا يستطيع الوصول إليه.
تسكت قليلًا وهي تحدّق في الورق، ثم تقول بنبرة تهبط من الروح قبل أن تخرج من الحلق:
«لا أتحدث عن موت… بل عن غيابٍ يُشبه الموت.»
كانت تشكي للورق وجعها، وقد صار الورق صديقًا وفيًّا منذ أن ابتعد ابنها.
تكتب فوق صفحاته يومياتها، وترسل إليه شوقها المعلّق بين الدعاء والأمل.
وسقطت دمعة كبيرة على الصفحة… دمعة باغتت صمتها، فسارعت تمسحها، ثم ارتسمت على وجهها ابتسامة باهتة، لوجهٍ لم يعرف الفرح منذ أن رحل ولدها بحثًا عن حياة أجمل.
فجأة تذكرت وقالت بدهشة طفيفة:
«يا إلهي… نسيت أن أعرّفكم بنفسي!»
أنا شادية عبدالله… أمٌّ في أواخر الخمسينات، وأمٌّ في أول العمر حين يختصّ الأمر بابني.
أنتظر زاهر بين ليلة وليلة… وبين حُلمٍ يولد وحُلمٍ يُوأد.
وتتنهد قبل أن تتابع:
«لكن قبل أن أحدثكم عن غربته… دعوني أعود إلى طفولته.»
ترفع رأسها وتقول بصوتٍ يختلط بالفخر والحنين:
«كان زاهر أول أبنائي… الولد الذي وُلِد في حضن قرية المسلمية، ودرس في زواياها، وكبر بين ترابها وناسها.»
اقتربت من النافذة كمن يبحث عن ظلٍّ يعرفه، وقالت وهي تنظر إلى القرية بعيونٍ متعبة:
«حتى المسلمية تفتقده… ليس أنا وحدي.»
وحين تمرّ على محلّه القديم، تقف… وتبكي… فترى صورته أمام الباب، بابتسامته الوديعة وهو يلوّح لها قائلًا:
«أمّي… بس أقفل المحل بعد شوية… اليوم الرزق كتير.»
ثم يختفي… وتبقى هي واقفة على العتبة، وقلبها في الهواء.
تفتح دولاب ملابسها، وتخرج قميص العيد الذي اشترته له آخر مرة.
تعطره كما كانت تفعل دائمًا…
تقبّله صباح العيد…
تضمّه إليها كأنها تضم روحه…
ثم تعيده إلى الدولاب، كأنها تعيد قلبها إلى مكانه.
وفي كل ليلة جمعة، تتجه إلى غرفته تنظفها كما لو أنه سيعود غدًا.
تلمس كوب الشاي الذي كان يشرب منه، وتراه واقفًا أمامها بصورته القديمة.
ترتب فراشه، وتحتضن الوسادة التي كان ينام عليها…
وفي أثناء ترتيبها للأرفف، تقع بين يديها رسالة.
ظنّتها رسالة غرام، فابتسمت ابتسامة أمّ تعرف أن قلب ابنها كان عامرًا بالحياة.
لم تقرأ الرسالة كاملة، لكن عينها وقعت على اسمٍ أخضر، مكتوب كأنه يزهر بين السطور:
«حبيبتي سُكينة»
جلست على الكرسي الذي كان يجلس عليه أيام دراسته…
كم كان عاديًّا قبل رحيله، وكم صار ذا قيمة بعده!
صارت كل قطعة في الغرفة تنطق… كل شيء فيها يهمس باسمه.
وحين أنهت ترتيب الغرفة، أمسكت بمقبض الباب، ترددت…
التفتت إلى المكان الخالي، وقالت بصوتٍ مُنهكٍ يخرج من عمق روحها:
«زاهر… عليك الله أرجع.»

تعليقات
إرسال تعليق