حكايات من السودان..الحكاية الرابعة: صلاة استخارة
بقلم :فايل المطاعني
الحكاية الرابعة: صلاة استخارة
من بين أشهر قصص الحب العربي، تبقى قصة قيس بن الملوّح وابنة عمه ليلى العامرية الأكثر حضورًا في الوجدان. تاريخنا مليء بالعشاق، لكن هذه الحكاية بالذات كانت تسحرني؛ أقرؤها بنهم، وأتمنى لو كنت أملك "آلة الزمن" — دي الآلة البترجع الزول سنين طويلة لورا — لأعود بها فقط لأتونس مع قيس، والله قصته مع ليلاه سمحة شديد.
وعندما كنت شافع، في الإعدادية، ابتلاني القدر بحبٍ وُلِد صغيرًا ثم كبر معي مع السنين، حتى صار يشبه حكايات العشق القديمة… حبّ ظلّ يتردّد في قلبي كلما قرأت عن قيس وليلى.
وهنا يضحك صاحب حكايتنا وهو يخاطب نفسه ساخراً:
"يا ترى… هل كنت فاهم أي حاجة لما تمنّيت أعيش قصة زي قصة قيس، حتى لو انتهت بفقد؟ يا زول… للدرجة دي كنت مجنون؟"
لكن ما علينا… فهذه قصتي، فاعتبروها قصة قيس هذا الزمان.
اسمي محمد تاج السر محجوب — واسمنا في السودان مرات يكون مركّب كدا بلا مناسبة.
بعد سنين الغربة والبعد عن الأهل، جهّزت البيت وجاء الدور على الزوجة. الموضوع عندي كان محسومًا من زمان… من أيام الإعدادية، لما حطّيت عيني على بنت عمي:
الريله ميرغني كدور.
أعرف الفضول العالق في عيونكم 👀
والسبب بسيط: أنا أحببتها.
هي بنت العائلة… وبنت عمي الميرغني.
ولما حان وقت الجد، فاتحت الوالدة عشان تمهّد الطريق مع أهلها، وتوصلني للموافقة بإذن الله.
كنت أحلم مثل أي شاب يتقدم لبنت من أهله…
لكن قبل الخطبة، عملت نفسي حاتم الطائي. فأنا جاي من الغربة، شايل "تحويشة السنين"، وناس منطقتنا شرق سنار معروفين بالطيبة والكرم.
كل أسبوع كنت آخذ أهل العروسة— أقصد اللي أنتظر أصير عاقد عليها— وعيالهم إلى شارع النيل… نقعد لحد منتصف الليل في ونسة ما بتتكرر.
وفي الأسبوع مرة، أصحبهم للمطاعم برا، بس عشان أشوفها…
يكفيني لحظة ترفع فيها رأسها وتبتسم.
يكفيني حديث يدور حول شغلي في الخليج ورحلات الاغتراب المتلاحقة، وحلمي الذي لا يفارقني: أن أرى بلدي تعود كما كانت… "سلة غذاء أفريقيا".
ومطعم وسيدي بيه صار أجمل بقعة في أرض سنار…
ليس لطعامه، بل لأنها تحبه.
ثم جاءت لحظة البوح.
سنين وأنا أنتظر كلمة "موافقة" من الريله…
ابتسامتها كانت تبعث أملاً، نظراتها كانت تذيب القلب، لكن… لا كلمة تُقال.
أخيرًا، في ليلة مطيرة، حالكة السواد، اتصلتُ بها.
ومن حسن حظي… أو سوءه… كانت هي من ردّت.
محمد: السلام عليكم
الريله: وعليكم السلام
محمد: شنو الأخبار؟
الريله: الحمدلله
محمد: طيب… كيف موضوعنا؟ إن شاء الله خير؟
تسكت قليل… يتسلل الخجل إلى صوتها:
الريله: إن شاء الله خير… أممم…
محمد: شنو؟ قولي
الريله: أصلي استخارة… وارد عليك.
وهنا ضحك محمد… فهو يعرف مقولة "الاستخارة" عند البنات: تثقيل… انتظار… لعب أعصاب.
قال بلهفة: "طيب ردي عليا بكرة."
الريله: طيب يا محمد.
أغلق الهاتف… وقلبه يرقص فرحًا.
لكن… جاء منتصف الليل.
رنّ الهاتف.
وكانت هي.
الريله (بصوت متردد): محمد… السلام عليكم
محمد: وعليكم السلام ورحمة الله
يصمتان… ثم تقول:
الريله: أنا… آسفة يا محمد.
محمد: على شنو؟
الريله: صليت… لكن ما حسّيت بحاجة. قلبي ما ارتاح… شوف ليك زولة غيري.
انت زول طيب… وتستاهل أحسن مني.
تجمد الزمن.
أهذا هو الرد الذي انتظره سنوات؟
لماذا؟
كيف؟
ضرب محمد الجدار بيده وهو يصرخ:
"ليه؟ ليه رفضتيني؟"
جلس على الأرض، يكلّم نفسه:
"يمكن ما حكيت ليها قصة حبي… ولا انتظاري… ولا غربتي الطويلة عشانها."
لكن ما عاد هناك مجال للكلام…
فهي صلّت.
واستخارت.
ورفضت.
نزلت دموعه كالمطر.
والرجل حين يبكي… يهتز الكون من حوله.
ضحك… ثم ضحك… ثم سقط مغشيًا عليه.
وفي اليوم التالي، قطع تذكرة سفر إلى بريطانيا…
وسافر.
ولم يعد إلى سنار.
واليوم، كلما وقف على ضفاف نهر التايمز، تذكر مطعم وسيدي بيه… وعيون الريله… ونظراتها المشاغبة… ويردد بصوتٍ مكسور:
"عيونك فيها شي يحير…
يغير في اتجاه الزول."
انتهت.

تعليقات
إرسال تعليق