ثرثرة الطريق والصمت بيننا
بقلم : زينب علي درويش
للمرة الأولى لاحظت أن جلوسي بمفردي يشبه العودة إلى وطني الداخلي، وطن السكينة. فالضجيج من حولي ليس إلا ابتلاء أثقل قلبي، وأتمنى أن يكتمل شفائي منه؛ حفاظا على ما تبقى لي من عمر.
أعود إلى وطني حين أكون وحيدا، بعيدا عن الوجوه التي تتلعثم وتثرثر، وتتملق، وتنهك الروح بكثافة حضورها. وعندما أهدأ، تدب الحياة في قلبي من جديد، فأيقنت أن الحياة لا تعاش إلا بصحبة صادقة… صحبة تشبه الصمت أكثر مما تشبه الكلام.
وبالصدفة جلست بجوارها. فتحت كتابي لأكمل ما بدأته، غير أنها أغرقتني بسيل لا ينتهي من الثرثرة، كأن الكلمات تخرج منها بلا وعي، كآلة تصدر الصوت بلا معنى. حاولت مجاراتها، لكنها كانت تسبقني في كل جملة، وظللت مبتسما كأنني فقدت وعيي. ومع مرور الوقت، فقدت قدرتي على التعبير، وشعرت كأن الزمن يزحف ببطء شديد، سلحفاة تتسلق جبلا من الرمال الناعمة.
امتلأت أذناي بالضجيج، فصمت، واستسلمت لثقل اللحظة. وعندما وصلت إلى محطتي، شعرت كأنني فقدت قدمي. نظرت إليها للمرة الأخيرة، محاولا أن أنطق بكلمة قبل الرحيل، ولكنها سبقتني وهمست بصوت هش:
ما بك؟ لماذا لا تقول شيئا؟ أأنا حقا غير قادرة على أن أكون عند حسن ظنك؟ أم لست بالقدر الذي يليق بك؟
وحينها أدركت ربما متأخر
أن خطئي لم يكن في الصمت بل في محاولة الوداع.

تعليقات
إرسال تعليق