مقتبس من روايتي القادمة  " الذات المفقودة "

بقلم : حسين شرقي


بينما كنت أقف أمام الصورة الأخيرة، التي كانت تظهر الوجه المألوف لشخص يشبهني تمامًا، شعرت بشيء لم أشعر به من قبل. كان الضغط في صدري قد تزايد بشكل غير طبيعي، وكأن الزمن نفسه قد توقف ليتركني في تلك اللحظة الحاسمة.

كانت المرأة تقف خلفي، ولكن هذه المرة، لم يكن صوتها يهمس لي بهدوء كما في السابق. كانت الكلمات تأتي ثقيلة من فمها، وكأنها تحمل شيئًا أكبر مما أتوقع.


"إنه لا يهم من هو هذا الشخص." قالت بصوت ثابت، "ما يهم الآن هو أنك تعرف ماذا يجب أن تفعل."


لم أستطع  أن أحرك ساكنًا. كانت عيني معلقة بتلك الصورة، وكان العقل يبدأ في التحليل. من هو هذا الشخص؟ وهل يعني هذا أن حياتي كانت عبارة عن سلسلة من الاختيارات الخاطئة؟

حاولا أن ألتفت للمرأة، ولكني شعرت بشيء غريب في جسدي، كأن الأرض تحت قدمي بدأت تتغير، وكأنها تتبدل إلى مادة غير مرئية. بدأت أشعر وكأن الواقع نفسه بدأ يلتف حولي، متموجًا ومتداخلًا. هل كنت أختبر حلمًا؟ أم أن هذه اللحظات كانت جزءًا من رحلة حقيقية نحو فهمي لذاتي؟


"إذا كنت تظن أن الهروب هو الحل، فأنت مخطئ." قالت المرأة فجأة، ولكن هذه المرة كان صوتها أقوى وأكثر حدة.


نظرت  إلى المرأة وأنا أشعر بالارتباك والقلق يملأني. "ماذا تعنين؟ الهروب من ماذا؟" تساءلت، لكن الإجابة كانت مفاجئة أكثر مما توقعت.


"أنت الآن في نقطة تحول. عليك أن تقرر." قالت المرأة بصوت حازم، "هل ستستمر في الهروب من ماضيك، أم أنك ستواجهه أخيرًا؟"


لكن قبل أن أتمكن من الرد، اهتزت الأرض من حولي مرة أخرى. كانت الصور التي تجمعت في ذهني تتداخل وتختلط، وكأنما الأجزاء المفقودة من حياتي قد بدأت تعود بشكل متسارع. كان الصراع الداخلي يزداد حدة، والشعور بالضياع أصبح أقوى.

وفي لحظة، فجأة، أضاءت السماء بضوء قوي، وكأنها نيران تطفئ الظلام من حولي. كانت الصور التي تظهر لي الآن أكثر وضوحًا، وكانت تلك الصورة التي رأيتها منذ قليل تتكرر أمامي، لكن هذه المرة كان في الصورة شخص آخر، شخصية ثالثة قد تكون مفتاحًا للفهم.

"من هو هذا؟" همست لنفسي، عيني تجتمعان على تلك الصورة الغامضة.

ظهرت المرأة بجانبي، ونظرت بعمق إلى الصورة التي أمامي، ثم قالت بصوت هادئ ولكن حاسم:

"هذا هو الشخص الذي كنت تحاول أن تنساه، ولكنك لن تستطيع الهروب منه بعد الآن."


قلت "هل هو جزء مني؟" . كانت كل التفاصيل تتشابك بشكل غريب، وكأن حياتي كلها أصبحت ألغازًا غير قابلة للحل.


"نعم، هو أنت." أجابت المرأة، "لكن ليس أنت كما تعتقد. هو الوجه الآخر لك، الوجه الذي كنت تحاول دفنه في الظلام."


شعرت بأن قلبي ينقبض، كما لو أن كلمات المرأة كانت تفتت روحي وتكشف لي أعماقها. بدأت أدرك أن رحلة البحث عن الذات لم تكن مجرد رحلة للهرب من الماضي، بل كانت مواجهة مع الجزء المظلم الذي كنت اخبئه.


"ولكن كيف أواجهه؟ كيف أتعامل مع هذه الحقيقة؟" ، قلت هذه الكلمات وصوتي مشبع بالقلق والحيرة.

"ببساطة." قالت المرأة بصوت رزين، "أن تواجهه يعني أن تعترف به، أن تحتضن كل جزء منك، بما في ذلك تلك الأجزاء التي تخاف منها."

وفي تلك اللحظة، أصبحت في حالة من التصالح مع ذاتي، لكن لم أكن أعلم بعد ما هو القادم. كان الظلام حولي قد بدأ يتلاشى، والمكان الذي كنت أعتقد أني عالق بداخله بدأ يتغير. بدأت أرى أضواء خافتة في الأفق، وكأنما الطريق إلى الخروج قد أصبح مفتوحًا.

ولكن كنت أعلم في أعماقي أنه حتى وإن بدأ الظلام يتبدد، الرحلة لم تنته بعد. كان عليَّ أن أتخذ قراري، لأن الطريق أمامي كان مليئًا بالتحديات.


هل سأختار الحقيقة، أم سأظل عالقًا في الظلام؟

توقفت لحظة، وأنا أنظر إلى الطريق الذي بدأ يتضح أمامي، كان الأفق يظهر ببطء وكأن العالم نفسه يبتسم لي، ولكني كنت أشعر أن الظل لا يزال يلاحقني، وأنه لا يمكن أن أهرب منه مهما فعلت.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

المرأة ليست سلعة للتسويق

قلب مطمئن ونفس راضية

وميض مياسة