" من مقبرةِ وجدٍ إلى فجرٍ لن يعود "

بقلم: حسين الشرقي 


يا امرأةً ما زالت تتسلّل إلى نوافذي المطفأة كالهزيمة،

أقول لكِ إنّي لم أعُد أعرفُ الفرق بين يديكِ وبين ظلالي،

كلتاهما تسحبني إلى قاعٍ لا قرار له،

قاعٍ يشبه قلبكِ حين يمارس الغياب كأنه قدرٌ أبدي.


أحببتكِ كما يُحبّ المنفي أرضاً لا تعترف بجوازه،

كما يُحبّ المصلوبُ صوت الريح وهي تغنّي فوق جمجمته،

أحببتكِ وأنا أعلم أنَّكِ لستِ حياةً بل جرحاً ممدوداً على امتداد العمر،

وأنّ الطريق إليكِ ليس سوى مقبرةٍ يتناثر فيها جسدي خطوةً خطوة.


لم أكتبكِ قصيدةً من ورد،

كتبتكِ مرثيّةً لعُمري،

كتبتكِ نزيفاً طويلاً يسيل على أطراف الليل،

كتبتكِ فجيعةً في هيئة امرأةٍ تعرف كيف تبتسم بينما تُسقِطُني إلى الهاوية.


كم مرّةً حاولتُ أن أكرهكِ؟

لكنّ الكره يذوب أمام عينيكِ كما يذوب الثلج أمام النار،

كم مرّةً حاولتُ أن أنساكِ؟

لكنّ النسيان لم يكن سوى قناعٍ هشّ ينكسر عند أول ذكرى،

كم مرّةً حاولتُ أن أهرب منكِ؟

لكنّي كنتُ كلّما ركضتُ بعيداً وجدتُكِ تركضين في وريدي.


أنا لستُ عاشقاً عادياً،

أنا عاشقٌ يُخاطب موتَه باسمكِ،

عاشقٌ يسجد في محراب سوادكِ،

عاشقٌ يتعلّم من غيابكِ كيف يكون الخراب مهنةً يومية.


يا امرأةً صنعت من وحدتي سيفاً يغرسه في صدري كلّ ليل،

هل تدركين أنّي بتُّ أعشق هذه الطعنة؟

هل تفهمين أنّي ما عدتُ أريد النجاة منكِ؟

أنا لا أبحث عن ضوء،

أنا أبحث عنكِ،

ولو جئتِني في هيئة حريقٍ يلتهمني حتى الرماد.


كلّ النساء اللاتي مررن في حياتي كنّ محطّات قطار،

إلا أنتِ،

كنتِ القطار نفسه،

تأخذينني إلى مدنٍ لا أعود منها،

إلى خرائب لا يخرج منها السائرون إلا كأشباح.


أعترف،

إنّني لم أعد أكتب غزلاً،

بل أكتب مراثي،

أكتبكِ كما تُكتب النهاية على جدارٍ مبلّل بالدموع،

أكتبكِ كي أظلّ عالقاً فيكِ،

كي لا أشفى منكِ،

كي أبقى رهينَ وجعكِ إلى الأبد.


فلتبقَي

بجراحكِ، بسمومكِ، بعتمتكِ،

فأنتِ آخر وطنٍ أسكنه برغم الخراب،

وآخر حبٍّ أعرف أنّه سيقتلني،

لكنّه رغم ذلك،

سيُبقيني حيّاً في موتي.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

المرأة ليست سلعة للتسويق

قلب مطمئن ونفس راضية

وميض مياسة