سافر ففي الأسفار خمس فوائد، الجزء الثاني
بقلم: إسحاق الحارثي
استكمالا لموضوع استحضار قصص السفر أو بما يسمى أدب الرحلات والذي وصلنا فيه إلى قضاء عيد الأضحى المبارك في قرية بريمير الإسكتلندية التي أقمنا فيها بمنزل عائلة إسكتلندية ريفية وبعد جلسة التعارف مع العائلة أحضر لنا ابنهم الصغير ذو الستة أعوام هدية عيد ميلاده الأول وهي عبارة عن لعبة لازال يحتفظ بها منذ ست سنوات ما شد انتباهي وأجزم أن القليل من أبنائنا اليوم يحتفظ بهدية عيد ميلاده الأول وإن حصل ذلك فهو نادر.
على العموم لأول مرة أشاهد في هذه الرحلة حيوان الوعل البري يتنقل بأريحية ما بين البيوت والأكواخ دون مضايقة أو أي حواجز بينه وبين الآخرين.
أحكي لكم طرفة وقعت معي في الأيام الأولى من وصولي إلى إسكتلندا بالتحديد ثاني يوم حيث لم أعتد على طبيعة الحياة والساعة البيولوجية لدي لازالت لم تتأقلم على أوقات النوم والاستيقاظ وفارق التوقيت بين سلطنة عُمان وإسكتلندا آنذاك مابين ٣ إلى ٤ ساعات تقريبا إذ بعد رحلة منهكة و يوم أول طويل بصحبة الأخ العزيز والصديق الجميل الأستاذ عادل الوهيبي أخذني فيها بجولة تعريفية حول المدينة والجامعة التي يدرس فيها وعرفني على زملائه الطلاب من دول مختلفة إلى جانب زيارة مركز المدينة وما به من مطاعم ومقاهي ومحلات مختلفة إلخ...
عدت إلى المنزل في وقت متقدم حيث لا تسمح دورثي العودة للمنزل في وقت متأخر وهذه من شروط الإقامة في منزلها عموما ذهبت للفراش مباشرة وصحيت من النوم فجأة بعد نوم عميق وحينما أطللت من النافذة بغرفتي المقابلة للشارع إذا بالضوء يملأ المكان وحين نظرت إلى الساعة تشير للرابعة فأصابتني دهشة هل يعقل أني نمت طوال هذا الوقت ولم أستيقظ فعلى عجالة أخذت نفسي وهممت بالخروج للخارج قاصداً منزل عادل الوهيبي القريب مني سيراً على الأقدام لدقائق معدودة لا تتعدى أصابع اليد الواحدة، وأنا أسير في الطريق وحيداً لا مارة ولا سيارات عابرة ولا صوت يصدر من أي مكان، في المقابل الإنارة بأعمدة الشارع لا تزال مضيئة، وأنا أروي لكم هذه القصة أستعيد هذا المشهد أمام ناظري وأتذكر تلك اللحظات، نظرت لساعة اليد التي في معصمي تشير للرابعة وكذا دقيقة (ساعة ليست رقمية) هنا انتابني الشك وتوقفت عن السير وأدركت أنها الرابعة فجراً وعدت للمنزل "بخفي حنين" آملاً أن لا تصيح دورثي من وجود حرامي يدخل البيت في هذا الوقت.
عموماً بعد قضاء أيام جميلة جداً وممتعة تعرفت فيها على الكثير من الطلبة من مختلف دول العالم بالإضافة للعائلة التي أقمت معها وبعضا من عوائل الجيران من كان يؤرقهم وجودي بحكم أني غريب إلى أن عرفوا أني قادم من سلطنة عُمان لزيارة صديق وأقيم بمنزل دورثي لفترة محدودة وألفوا إلي بعدها أصبحت الأمور طبيعية.
خلال فترة وجودي في إسكتلندا كنت قد تواصلت مع أخ وصديق جميل آخر يدرس في مدينة لندن الأستاذ العزيز حمد بن عبدالله بن صخر العامري الذي قدم لي الدعوة لزيارته في لندن بعد معرفته أنني في إسكتلندا، رحبت بتلك الدعوة مودعاً عادل الوهيبي الذي شجعني على هذه الزيارة بل أتاح لي رؤية البلاد الأوروبية والعيش بين عائلة أجنبية التي تختلف عاداتها وتقاليدها و مجتمع غريب لأول مرة أعيش فيه وهذا ربما فتح لي مجالا كبيرا تعلمت منه لاحقاً ثقافة الشعوب والاندماج في مجتمعات متعددة الأطياف طفت بها مختلف دول العالم وزرت ما يقارب ٤٠ دولة وهي أولاً: دول مجلس التعاون الخليجي الإمارات العربية المتحدة، قطر، البحرين، المملكة العربية السعودية، الكويت.
ثانياً: الدول العربية المغرب، الجزائر، تونس، مصر، الأردن، سوريا.
ثالثاً: الدول الآسيوية الهند، باكستان، إيران، سيرلانكا، المالديف، تايلاند، ماليزيا، إندونيسيا، سنغافورة، الفلبين، فيتنام، كمبوديا، لاوس، مينيمار.
رابعاً: آسيا الوسطى (أوزباكستان).
خامساً: دول القوقاز (أذربيجان).
سادساً: دول البلقان (بلغاريا).
سابعاً: منطقة الأناضول (تركيا).
ثامناً: الدول الأوروبية فرنسا، موناكو، بريطانيا، إسكتلندا، بلجيكا، إيطاليا، المانيا، بلغاربا، لوكسمبورغ، هولندا، سويسرا، السويد.
هذه المرة كانت عودتي من إسكتلندا إلى لندن عن طريق القطار التي استغرقت ما بين الأربع إلى خمس ساعات وبعد وصولي إلى محطة قطار لندن بعد منتصف الليل وأنا وحيد انتابني الخوف ماذا أفعل؟ وكيف أتصرف حتى أصل إلى منزل الأخ العزيز حمد العامري؟ وإذا بسائق سيارة أجرة ينتظر دوره حاله كباقي سيارات الأجرة تقف في مقدمة الطابور وأنا أسير نحو السيارة أسمع صوت قراءة قرآن كريم وكلما دنوت واقتربت الصوت يقترب مني أكثر حتى وصلت إلى سيارة الأجرة وإذا بشخص من الجنسية الآسيوية يمسك مصحف ويقرأ القرآن الكريم هنا أطمأنت نفسي وهدأ روعي ودخلت السكينة قلبي أنا في أمان وفي حفظ الرحمن، ألقيت السلام على الرجل وبادلني رد السلام وطلبت منه أن يوصلني للعنوان الذي بيدي فما كان منه إلا أن أوصلني بكل رحابة صدر وسعة فوصلت ولله الحمد بعد رحلة منهكة.
للقصة بقية...

تعليقات
إرسال تعليق