وحيد..بداية قصة قلب..​الفصل الخامس

بقلم: ناصر بن محمد الحارثي


​اليومَ هو عيدُ ميلادي، وقد أكملتُ الرابعةَ والعشرينَ من عمري. وها قد مضى عامٌ كاملٌ من الحزنِ، وألمُ الفراقِ لمْ يفارقني. صرتُ أعدُّ الأيامَ، وأحسبُ الساعاتِ التي تمضي سريعاً، وقلبي الصغيرُ لم يبرأْ بعدُ، وعقلي يأبى نسيانَها. لطالما حدّثتُ نفسي وقُلتُ: "انسَ، فما سمّاكَ اللهُ إنساناً إلا لأنكَ تنسى!" لكنَّ قلبي يأبى، وتأبى جوارحي. "هيَ ليستْ لكَ، وتذكَّرْ أنَّ القدرَ يصنعُ ما يشاءُ. فاستجبْ للقدرِ، واتركْ أمرَكَ للهِ العليِّ القديرِ."

​خاصمتُ القمرَ، ولم أعدْ أُحدّثُهُ. أما هو، فلم يفقدِ الأملَ بي، بل يزورُني في كلِّ ليلةٍ. لم أعدْ أحتفلُ بعيدِ ميلادي كما كنتُ، ولم يذكرني أحدٌ يومَها، فقد قطعتُ الناسَ، وعشتُ في اغترابٍ كاملٍ. كالعادةِ، عدتُ إلى المنزلِ بعدَ طولِ عناءٍ. وما إن فتحتُ بابَ البيتِ، حتى وجدتُ سطلاً من التمرِ الفاخرِ، ومعهُ جرةٌ من السمنِ الذهبيِّ، وخبزٌ وعسلٌ عُمانيٌ أمامَ ناظريَّ.

​قلتُ مندهشاً: "ما شاء اللهُ تباركَ اللهُ، من أينَ هذا الخيرُ الكثيرُ؟" سالَ لُعابي واشتهتْ نفسِي، فقد كنتُ جائعاً. قالتْ أمي بصوتٍ حنونٍ: "كُلْ يا بنيَّ بالصحةِ والعافيةِ." بدأتُ بالأكلِ حتى شبعتُ وحمدتُ اللهَ على هذهِ النعمةِ. لكنْ، من أينَ هيَ وكيفَ وصلتْ؟ سألتُ أمي، فقالتْ: "هيَ من عندِ ابنِ عمتِكَ من البلدِ. جاءَ بها والدُكَ هديةً." هنا، سكتتُ قليلاً. "ابنُ عمتي فلانٌ، صاحبُ الحملةِ؟!" قالتْ أمي: "إنه هوَ. لقد رزقَهُ اللهُ بمولودٍ جميلٍ، وسمّاهُ محمداً. فلا تنسَ أن تهنئَهُ."

​هنا، رحلتُ من عالمِ الواقعِ إلى عالمٍ آخرَ بعيدٍ. اجتمعَ "الكبارُ" الثلاثةُ: أنا والنفسُ والشيطانُ، وكلٌّ يقولُ ما سُخِّرَ لهُ.

أنا: "إن شاء اللهُ..."

النفسُ: "بهذهِ السرعةِ أنجبَ منها؟!"

الشيطانُ: "أنتَ فاشلٌ، وتستحقُّ ما جرى لكَ!"

عُدتُ إلى الواقعِ المريرِ بعدَ فترةٍ. تركتُ المكانَ وفارقتُ الزمانَ، وهرعتُ إلى غرفتي، بل إلى ملجئي الوحيدِ.

​مَن أُحدّثُ والقمرُ قد غابَ عني؟ متى ينتهي هذا الألمُ؟ تمنّيتُ أن أصرخَ وأبكي، لكنهُ يومُ عيدِ ميلادي. "كُفَّ عني يا قدرُ، واتركني يا زمنُ، ما ذنبي وجُرمي؟ هل سأعيشُ وحيداً وأموتُ وحيداً؟" هنا، سمعتُ صوتَ همسٍ ينادي من بعيدٍ: "تعالَ خذني ولا تخفْ. تمسَّكْ بي ولا تخشَ شيئاً." إنهُ صديقي القلمُ. "مالكَ يا صديقي؟" سألني بصمتٍ. قلتُ وأنا أشعرُ أنَ صوتي يخرجُ أخيراً بعدَ طولِ صمتٍ: "أنا وحيدٌ."


​وحيد

​وحيدٌ أنا وحيدٌ أعيشُ في

عالمٍ غريبٍ وبعيدِ

​وليسَ لي من صديقٍ سعيدٍ

ولا حتى عدوٌّ لدودٌ أو شديدُ

​طالَ بيَ الزمانُ وقصُرَ العمرُ المديدُ

وشعريَ الأبيضُ خيرُ شهيدِ

​عانيتُ من عذابٍ أضناني

حتى فقدتُ كلَّ قريبٍ وبعيدِ

​وحيدٌ أعيشُ لأذرفَ دموعَ الأسى

على نفسي كبكاءِ الطفلِ الوليدِ

​فهل أنا شقيٌّ أم أنا سعيدٌ؟

لا أدري ولا أدري ما أريدُ!

​أحياةٌ أم موتُ الشهيدِ؟

فقدتُ صوتَ نشيدِ قلبيَ الجديدِ

ولطالما بشرني بيومٍ جديدِ

​ضِعتُ في متاهةِ أياميَ الماضيةِ

وكلَّما حاولتُ العودةَ، أُحبطُ منْ جديدِ

​هجرَني الأحمدُ، والسعيدُ،

وخالدٌ وحامدٌ مع فريدِ

​وحيدٌ بلا جاهٍ ولا مالٍ زهيدٍ

وقلبُيَ من كلِّ خيرٍ مفقودُ

​أعيشُ في قفرٍ لا بيتَ فيهِ

ولا قصرٌ من قصورِ هارون الرشيدِ

​وحيدٌ، ما ذنبي؟ وما جرمي؟

لستُ ببليدٍ ولا بضعيفِ القلبِ، ولا عنيدُ

​فحبُّكِ كانَ لي الحياةَ والعيدَ

فقتلتِهِ بطعنةٍ في الوريدِ

​وحيدٌ من دونكِ أنا وحيدٌ

و لفراقكِ همٌّ وحزنٌ شديدُ

​فأنتِ وعدتِني بسعادةٍ

فجعلتِ أيامي كيومِ الوعيدِ

​وحيدٌ أُشَرِّدُ في ظلامِ أيامي

وأرفعُ شكوايَ إلى اللهِ الحميدِ

ليرحمني في يومِ الوعيدِ

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

المرأة ليست سلعة للتسويق

قلب مطمئن ونفس راضية

وميض مياسة