رحمة ..الفصل الثامن

بقلم: فايل المطاعني

موسيقى الدفء الخفي


لا أدري كيف بدأتُ أنتظر مواعيد الجلسات...

كأن قلبي صار يضبط ساعته على قدومه، لا على الشفاء.

هل هو الأمان في صوته؟ أم تلك المسافة الجميلة التي لا يتجاوزها… لكنها تحاصرني شعورًا؟


دخل عُمر في الموعد المحدد، كعادته لا يتأخر.

جلس أمامي هذه المرة بصمت، يحدّق في وجهي كما لو أنه يقرأني، لا يسمعني.


قال أخيرًا، بصوت هادئ كالمطر:

– "أتعرفين؟ أحيانًا، أقرأ الحزن في عينيك، لكنه ليس حزنًا هشًا... بل حزن عميق، متماسك، كأنه اعتاد الوقوف."


ابتسمتُ بمرارة وقلت:

– "ربما لأنني خفتُ أن أُسحق، فتعلمتُ أن أبدو قوية حتى في انكساري."


هز رأسه بتقدير، ثم أخرج من حقيبته شيئًا صغيرًا.

دفتر ملاحظات صغير، مغطى بالجلد، وضعه أمامي وقال:

– "إن أردتِ... اكتبي. حتى لو كان صراخًا بلا صوت."


أخذته منه بتردد، وداخل قلبي عاصفة مشاعر…

لم يفعل الكثير، فقط قدّم لي ورقة وقلمًا… لكنّها بدت لي كبابٍ مفتوح على ضوء.


مرّت الجلسة بلا خطط علاجية، بلا تحليلات باردة… فقط حديث عن الحياة.

عن الخوف من الوحدة، عن المدن التي تمنحنا الحب وتنساه، عن الشعر الذي يُداوي، والأغاني التي تُبكينا دون أن نعرف السبب.


وقبل أن يغادر، التفت إليّ وقال:

– "القلوب لا تشفى بالعلاج فقط… أحيانًا تحتاج فقط لمن يسمعها، دون أن يحاول إصلاحها."


كلماته علقت في قلبي كأغنية أحببتها من أول مرة.

نظرت إليه… ولم أقل شيئًا.


**


في الليل، كنت أقلب صفحات الدفتر الجديد.

ترددت… ثم كتبت:

"إلى من لمس شتاء أصابعي… دون أن يدّعي الدفء."


طويت الصفحة… ووضعتها تحت الوسادة.

لأول مرة منذ زمن… نمتُ وقلبي هادئ، كأنه استراح من الحزن ولو قليلًا.


**


في الأسبوع التالي، حضرتُ مبكرًا، على غير عادتي.

أردتُ أن أراه قبل الجميع… أن أقول شيئًا لا أعرفه، أو ربما لا أملك له كلمات بعد.


وحين دخل، رفع حاجبه بدهشة وقال مازحًا:

– "رحمة؟ مبكرًا جدًا اليوم! هل القهوة سحرية لهذه الدرجة؟"


ضحكتُ، وقلبي يرقص بصمت.


لكني لم أخبره...

أنني لم آتِ من أجل القهوة.

بل من أجل تلك اللحظة التي يشدّ فيها المقعد أمامي… ويجلس.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

المرأة ليست سلعة للتسويق

قلب مطمئن ونفس راضية

وميض مياسة