سعيد البقال والمنعطف

بقلم : نور الحياة


 عاش "سعيد البقال" في زقاق "المزينين"، أحد تفرعات شارع المعز، في بيت قديم يشبهه؛ متآكل الألوان، لكنه ثابت لا يتزحزح. ورث دكان البقالة عن أبيه، تمامًا كما ورث منه الهدوء والرضا وقلة التطلعات.

كان يفتح دكانه عند طلوع الشمس ويغلقه بعد العشاء، ويجلس بعدها على المصطبة الخشبية، يشرب شاي من الكوب المكسور الحافة، ويستمع لبرنامج "لغتنا الجميلة" في إذاعة القاهرة.

حياته تسير كساعة حائط، لا تتوقف، لكن لا تُفاجئ.

إلى أن ظهر ذلك الشاب في مساء يوم أربعاء.

كان المساء هادئًا، تفوح منه رائحة الكشري والسمك المقلي من بيت "أم عطية". مرّ بائع العرقسوس بصوته الغليظ، حين توقف أمام دكان سعيد شاب ببدلة رمادية ونظارة سوداء.


قال الشاب: – "أنت الأستاذ سعيد حسين عبد الظاهر؟"

رفع سعيد عينيه عن كيس العدس: – "أنا هو… أؤمر يا أستاذ."

أخرج الشاب ظرفًا بنيًا مختومًا بخاتم غريب، ووضعه على الميزان.

قال بصوت رسمي: – "الظرف دا من عمّك، مصطفى عبد الظاهر. توفاه الله في الخرطوم. كنت أنا آخر واحد معاه قبل ما يتوفى، ووصّاني أوصّلك ده."


فتح سعيد الظرف، فوجد خطابًا مكتوبًا بخط مرتجف، وورقة تحويل مصرفي من بنك في السودان، ووثيقة عقارية.


قرأ الخطاب، فإذا بالعمّ الذي نسيه الجميع، يكتب له كلمات مؤثرة، يخبره فيها أنه لم ينس عائلته، وأنه تاب في كِبَره، فقرر أن يترك إرثه الوحيد له.


كان الخطاب يختم بكلمات:

"سامحني يا ابن أخي، إن أخرتك عن نصيبك، لكني آمنت أن الله يؤخرنا ليهيئنا."

جلس سعيد لا يصدق، وسرح ببصره في الأفق البعيد خلف مآذن جامع سيدنا الحسين.

إنه الآن… رجل ثري.


مرت الأيام بعد تلك الليلة كأنها ليست من أيامه. أصبح سعيد يذهب إلى البنك، يقرأ الأوراق القانونية، يتحدث في الهاتف مع موظفين، ويتعلم مصطلحات لم يسمع بها من قبل.


وجاءه عرض من رجل أعمال سوداني لشراء الأرض بمبلغ ضخم.

قال له الحاج عمران، جاره الحكيم:

– "مش كل مفاجأة رزق، يا سعيد. أوقات بتبقى اختبار، وأوقات بتبقى تمهيد لانقلاب."

رد سعيد وهو يضحك: – "وأنا مستعد لكل انقلاب… مدام القلب سليم."

لكن القلب لم يكن مستعدًا

تغيّر الحي من نظرته. بعضهم حسده، البعض استغله. تغيرت نظرة "أمّ عبير"، الأرملة التي كانت تبتاع منه الأرز بالدين، فأصبحت ترسل ابنها للخدمة في داره.


وبدأ يشعر بالوحدة في داره الجديدة.

الهدوء لم يعد مريحًا، بل مخيفًا.


ذات ليلة، عاد ليزور الزقاق بعد غياب أسبوعين.

وجد الدكان مغلقًا، المصطبة مهجورة، والحاج عمران مريضًا على فراشه.


قال له العجوز بصوت باهت: – "كل ما يكبر الإنسان… يصغر قلبه عن الاندهاش. بس يمكن المفاجآت، يا سعيد، هي آخر ما يتبقّى من الطفولة فينا."


أمسك سعيد بيد الرجل وقال: – "أفتقد الطفولة يا حاج… افتقد المصطبة والدكان وحتى صوت العرقسوسي."


في صباح اليوم التالي، فتح سعيد الدكان القديم. نظّفه بنفسه، وعلّق لافتة جديدة تقول:

"البقالة القديمة – السعادة في البساطة"


عاد الناس واحدًا تلو الآخر. عاد "سعيد" سعيدًا لا بالمال، بل بالمكان.


وحين سئله أحدهم:

– "مش كنت غني؟!"

ابتسم وقال: – "الغنى مش في المفاجأة… الغنى في اللي المفاجأة بتعلّمهولك."

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

المرأة ليست سلعة للتسويق

قلب مطمئن ونفس راضية

وميض مياسة