في المطبخ
بقلم : زهرة الراسبي
كان إحساسي بالغرابة من كل شيء يسيطر على جميع حواسي منذ بداية الصباح فقد كانت الأسئلة الداخلية تتدافع الى رأسي حتى كادت تملأه , فشعرت بثقله فلا أكاد أخطو خطوة إلا ويزيد كم الأسئلة الغريبة بلا هدف أو معنى :
لماذا الكراسي لها أرجل ؟
تلك الشجرة ما سبب خضرة أوراقها؟
الماء ماذا لو كان صلب وليس سائل ؟
حتى كدت أسمع الزحمة التي أحدثتها الأسئلة في رأسي فأرجعت تلك الأعراض الغريبة إلى الجوع الصباحي فأسرعت ممسكة بكوب زجاجي كان على منضدة في طريقي إلى المطبخ إذ اتجهت إليه وفي قراري أن اشرب شيئا مفيدا أو آكل وجبة محترمة!!فدخلت المطبخ فإذا بي أسمع أصواتا غريبة لم أسمعها من قبل وكانت غنية بالتنوع فمنها العالي ومنها المنخفض ومنها الحاد و الرنان . يا ترى ما مصدر هذه الأصوات فاقتربت أمشي بحذر شديد في أرضية المطبخ فإذا بنملة صغيرة تحمل حبة أرز وتجاهد في حملها وظهرت فجأة نملة أكبر منها فأخذت تنازع النملة الصغيرة على حبة الأرز، وهنا صرخت السكين بصوتها الحاد: يا لها من نملة ظالمة إنتظري فلسوف أقص يديك السارقتين وأرد للصغيرة حقها.
مهلا أيتها المتهورة ذات الطباع الحادة ردت: الهاون أرى إنك نسيتي أن النملة الكبيرة بحاجة لحبة الارز أكثر من الصغيرة بسبب حجمها ، والحبة الواحدة لا تكفي لذا فمن المفترض أن اسحق تلك الضئيلة لتكن في طي النسيان وبالتالي يكفي الطعام للكبيرة.
فتعجب الغربال قائلا: عجبا لأمرك أيتها الهاون أتسحقين الضعفاء ليبقى الأقوياء وهذه الأرضية خلقت للصغير و الكبير، للضعيف والقوي! لذا أقترح أنا وبصفتي الغربال أن نضع الأمور فنغربلها وننقيها وبالتالي نفصل الحق عن الباطل.
هنا أستنكر الخلاط ساخطا: ما! ما هذه العقد كلها! حق! باطل! غربال وتغربل! رأيي أن نبسط الأمور وبدل الغربال نضعها في داخلي ..... في خلاطي فتختلط لتتساوى، فلا حق ولا باطل ولا عقد ففي خلط الحابل بالنابل راحة بال.
هنا أرعدت المكنسة على الخلاط ساخطةً: رأيي أن أكنس هذه التوافه خارج المطبخ وأنت أولها ولا أُبقي غير المهم وكل ذي نفع وأحقية عندها هبت نسائم باردة ومصدرها باب البراد الذي فتح بروية: هدأي من وتيرة غضبك، أيتها المكنسة ألا يجب أن تحل الأمور بهدوء وبرود، وتعقل؟ أقترح عليكم أيها السادة أن تدخلوا هذه الأمور داخلي لفترة وجيزة حتى تهدأ الأعصاب ويبدأ التفاهم .
فأقتحم جو البرودة صوت معاكس تماما، فكان حارا وساخطا من لهيب الفرن : اخرس أيها البراد الخامل ، إن هذه الأمور لها من الأهمية ما يجعل أفضل حل لها الاشتعال... الاحتراق ليراها الكل ويتفاعل معها .
فتبسمت الملعقة وبادرت: لما الاشتعال أيها البوتاجاز أليس من الأفضل إعطاء كل من النملة الصغيرة والكبيرة مزيدا من الأرز لينتهي الخلاف على البقاء وأنا مستعدة لحمل ما يكفي من حبات الأرز عليَّ.
ولم تكمل الملعقة كلامها حتى صدر صوت ينم عن المكر والحيلة: شكرا على تضحيتك الكبيرة أيتها الكريمة ولكني سوف أسبقك وأحمل حبة الأرز بشوكتي وأرميها بعيدا فمنظر الصراع يبهجني، فأطلقت الشوكة ضحكةً صاخبةً شقت هدوء الجو الصباحي فأرعبتني! لأوقع ما كان بيدي ليطرق في الأرضية دقات معلنةً الصمت.
فصمت كل شيء ، ولم تعد هناك ضجة ! لعل أدوات المطبخ انتبهت أخيراً لوجودي. عندها لم أتحرك من مكاني بل أرسلت عيناي بنظرات مشدوهة لتطوف في أرجاء المطبخ لعلها تلتقط شيء يتحرك ؟أو يتكلم؟ فوقعت عيناي على النملتان فتعجبت حينها إذ بقيت نملة واحدة تحمل حبة الأرز و...و....أضن أن رأسها كان مرفوعاً لانتصارها في المعركة ، سبحان الله! إنها الصغيرة بعزيمتها وإرادتها تخطت حاجز القوة والضعف والسلطة وانتزعت حبتها بيديها! ابتسمت قليلا واستغرقت في تفكيري في ردود أفعال أدوات المطبخ: ترى هل مر أحدكم من قبل على رجل ملعقة او امرأة شوكة أو صديق غربال أو جار سكين؟ ترى هل نحن مسخرون كأدوات المطبخ بتصرفات حتمية ام نحن نصنع هده التصرفات وندمجها بشخوصنا؟وأنا أي نوع من الأدوات قد أكون؟ وأنت ماذا تحب ان تكون ؟ ربما يكون القرار بيدك.

تعليقات
إرسال تعليق