بداية قصة قلب..​رسالة من السماء.الفصل السادس والأخير.

بقلم: ناصر بن محمد الحارثي

​ها قد طويتُ سنتينِ من رحلةِ العشقِ والهيامِ، سنتينِ مرتَا كصحراءَ قاحلةٍ لم أذُقْ فيها نبعَ السعادةِ. كانتْ بوادرُ العامِ ٢٠٠٤ تطرقُ الأبوابَ، كفجرٍ جديدٍ يحملُ في طياته وعداً بحياةٍ أخرى.

​كنتُ لازلتُ وحيداً، بينما حبيبةُ القلبِ أصبحتْ قمراً يُشرقُ في سماءِ طفلٍ جميلٍ انضمَّ إلى العائلة. هنا، كان لا بد أن أقفَ معَ ذاتي وقفةَ تأملٍ وتفكرٍ، لأجمعَ شتاتَ مصيري. وقفتُ وسألتُ نفسي، لكني لم أجدْ جواباً، وتاهَ صديقي القديمُ القمرُ في عتمةِ ليلي.

​أضناني المللُ والتعبُ من متاهاتِ الدنيا، ففتحتُ المذياعَ وكانَ ذلكَ خيرَ قرارٍ. فإذا بالشيخِ الجليلِ أحمد الخليلي يصدحُ بصوتِ الحقِّ من جامعِ روي، كبحرٍ من الحكمةِ يلقي أمواجهُ على القلوبِ العطشى. كان يفسرُ قوله تعالى: { وَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ ۖ وَعَسَىٰ أَن تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ ۗ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ }. وكأنَّ هذه الآيةَ لمستْ قلبيَ لأولِ مرةٍ. استمعتُ للدرسِ، وحمدتُ اللهَ على هذه الرسالةِ السماويةِ التي أنارتْ دربي.

​أدركتُ أنَّ كلَّ شيءٍ مقدرٌ بأمرِ اللهِ، وأنَّ كلَّ قضائِه خيرٌ، وأنَّ اللهَ لا يضيعُ أجرَ المحسنين. حينها، ارتاحتْ نفسي واطمأنَّ قلبي، ووجدتُ في عملي الجديدِ بدايةَ أملٍ. وما هي إلا أيامٌ حتى التحقتُ بدورةٍ تدريبيةٍ، لأجدَ نورَ حياتي الذي طالما كانَ خافتاً في الأفقِ. كانتْ هناكَ، زوجةُ المستقبلِ وتوأمُ الروحِ. بعدَ أيامٍ من التعارفِ، تقدمتُ لخطبتها، وكانَ الفرحُ نصيبي.

​سَعِدَ الجميعُ وكأنَّ الكونُ يشاركنا احتفالنا، اجتمعَ فيها القريبُ والبعيدُ. وهنا، كانت أجملُ هديةٍ من صديقي القديمِ القمرِ، الذي عادَ ببريقِهِ الكاملِ في منامي، لم يعدْ غائباً ولا صامتاً. كانَ يقولُ لي: "الآن حانَ الوقتُ يا صديقي. تذكَّرْ ما بعدَ العسرِ يسراً، فاللهُ لا ينسى أحداً من عبادهِ." صدقتَ يا قمر.

​وقبلَ يومِ الزفافِ، كانَ الوداعُ الأخيرُ لعزوبيتي، والفراقُ الأليمُ للقلمِ الذي كانَ شاهداً على وحدتي، بعد أن ألهمني آخرَ قصيدةٍ أكتبها لزوجةِ المستقبلِ، شريكةِ الحياةِ الأبديةِ التي أطفأتْ شمعةَ الألمِ في قلبي.



"توأم الروح"

​ولو تعلمينَ بأنَّ حبَّكِ يجري في دَمي

لَما غابَ ضوءُ الفجرِ عن مُقلةِ المبسمِ


​ولو تعانقتْ كلُّ السحائبِ في المدى

لَصارَ خدُّ البدرِ نرجساً ناعمَاً


​ولو تقرئينَ عليَّ السريرَ قصائدي

لتناثرَ الفيروزُ فوقَ كلِّ الأنجمِ


​ولنامَتْ على طرفِ المخدَّةِ زهرةٌ

حمراءُ تلثمُ عطرَ زهرٍ مُنَعمِ


​أنا من سماءِ الحبِّ جئتُكِ نيزكاً

كي أحرقَ الصفصافَ في روضِ فمِ


​كي أشتريَ نجوى الغروبِ وأقتني

ضوءَ الشروقِ الدافئِ المترنمِ


​ماذا أريدُ؟ أريدُ بحراً أزرقاً

وجزيرةً خلفَ الغروبِ الباسمِ


​وفتاةً سمراءَ ترقبُ فارسَ الأحلامِ

يستلُّ سيفاً من على ظهرِ أدهمِ


​لا يا حبيبتي لا تختاري سواكَ عاشقاً

أنا من أبعدَ عنكِ سعيرَ جهنمِ


​إني أحبُّكِ، والعيونُ قصيدتي

من أينَ أبدأُ يا أحرفَ المعجمِ


​إني أحبُّكِ، وهل رأيتِ دفاتري؟

في كلِّ سطرٍ همسةٌ لم تُكتَمِ


​كم نامَ حبُّكِ في سريريَ خائفاً

من خيبةِ الآمالِ بعدَ المغنمِ


​بجفونيَ أملٌ وتحتَ وسادتي

صورٌ لحسناءِ الربيعِ القادمِ


​فإن كنتِ أجملَ نجمةٍ في حيِّنا

فأنا من كسا بضوئهِ كلَّ الأنجمِ

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

المرأة ليست سلعة للتسويق

قلب مطمئن ونفس راضية

وميض مياسة