رحمة..الفصل الخامس: الجذور المتعبة
تأليف . فايل المطاعني
كل ما في هذه الرواية وُلد من نبضٍ حقيقي... حتى إن بدا خيالًا
في زاوية بيت قديم متهالك الجدران، كانت "رحمة" تكبر بصمت. ليس البيت وحده ما كان متشققًا، بل القلوب أيضًا. نشأت وسط أمّ متعبة الروح، وأبٍ لا يرى في بناته سوى عبء ثقيل يتمنى أن يتخلص منه بالمهر، وإخوة لا يفهمون من الرجولة سوى رفع الصوت وإسكات الأحلام.
كانت رحمة الطفلة الرابعة بين خمس أخوات، بلا أخٍ حقيقي يسند ظهرها، ولا أمّ تحتوي ضعفها. كانت "أم رحمة" امرأة خائفة، مطحونة بين عنف الزوج وقلق الحياة، تُكثر من الصمت، وتُقلل من العناق، وكأن الحنان عندها صار عملة نادرة، لا تمنحها إلا على استحياء.
أمّا الأب، فكان رجلًا يجلد أبناءه بنظراته قبل كلماته. لا يُجيد الحديث مع بناته، ولا يفهم ضعفهن، كان يردد دومًا:
"المرأة لا تُربى على الدلال، وإلا كسرت ظهر زوجها."
تربّت رحمة على القسوة، كأنها خُلقت لتُحسن الصمت، حتى وهي تتألم. لم يُصفّق لها أحد عندما تفوّقت، ولم يُواسيها أحد عندما بكت ليلًا لأن معلمتها جرحتها. كانت طفولتها رمادية، لا تشبه طفولة الفتيات اللاتي يملأن البيوت ضحكًا وورودًا.
شقيقتها الكبرى كانت انعكاسًا لأمها: خاضعة، صامتة، تقيس الحياة بالواجبات لا بالأمنيات. أمّا شقيقتها الصغرى، فكانت متمردة، تركت البيت مبكرًا، وتبرّأ الأب منها، وظل اسمها يُقال همسًا أو لا يُقال أبدًا.
وفي تلك البيئة المزدحمة بالصراخ والصمت، كان "خالد" أول نسمة دافئة في حياة رحمة. لم يكن فقط فتى أحلامها، بل كان أول شخص يقول لها:
"صوتك جميل عندما تتحدثين، لماذا تصمتين دائمًا؟"
لكن عندما تقدّم لخطبتها، انقسم البيت نصفين:
الأب قال: "أسود؟ لا، لن أزوّج ابنتي لعبد!"
والأم قالت: "الحب لا يُطعم خبزًا، سيتركك يومًا."
لكن رحمة كانت قد تعلّقت. للمرة الأولى شعرت أنها "مرئية"، أن هناك من يراها كاملة، لا نصف ظل.
وحين أصرّت وتزوجت خالد، ظنّت أنها خرجت من العتمة، لكنها لم تكن تعلم أن ظلال الماضي لا تتركك حين تفتح الباب، بل تزحف معك إلى البيت الجديد، وتتربص بك عند أول وجع.
بعد زواجها، لم يزُرها أحد من أهلها إلا بعد شهور، وكأنها ارتكبت خطيئة، لا قرارًا. وعندما بدأ المرض ينهشها، لم تتلقَ من أمها سوى مكالمة باردة:
"لا تتدللي، السكري مرض كل الناس."
كان البيت الذي نشأت فيه لا يُشجّع على الضعف، ولا يعرف لغة المواساة. ولذلك، حين انهارت رحمة، انهارت وحدها.
يتبع ....
الفصل السادس:
الحبة المُرّة –
(رحلة العلاج والوجع البطيء)
لم يكن الخبر صاعقًا، بل كان أشبه بوخزة إبرة باردة في قلبٍ مثقوب من الأصل.
قال الطبيب بصوته المجرّد من كل عاطفة:
"أنتِ مصابة بداء السكري، النوع الثاني، ونسبتك مرتفعة جدًا."
جلست رحمة في العيادة، تحدّق في اللاشيء، بينما الكلمات تترنّح في رأسها. لم تكن تفكر بالمرض، بل في خالد... كيف سيأخذ الخبر؟
هل سيخاف؟ هل سيبقى؟
هل سيرى فيها امرأة ناقصة الآن؟ أم عبئًا جديدًا يُضاف إلى فواتير الحياة؟
لكنها لم تنتظر الإجابة.
ما لبث أن بدأت رحلتها نحو الوجع الصامت...
وجع لا يُرى، لا يُسمع، لكنه يمتصّ كل ما فيك من قوة.
دخلت المستشفى بعد أن سقطت مغشيًا عليها، وحدها. لم يكن أحد من أهلها بجوارها، ولا حتى خالد، الذي تأخر بحجج العمل والانشغال.
كانت الغرفة بيضاء... بيضاء جدًا، وكأنها مخصصة لتُعرّي النفس لا الجسد.
الممرضة دخلت وابتسمت بآلية:
"سنأخذ السكر الآن، استرخي."
في تلك اللحظات، لم تشعر رحمة أنها امرأة، ولا مريضة...
شعرت فقط أنها شيء، مجرد رقم في ملف، أو حالة طبية عابرة.
مرت الأيام الأولى كالسراب، بين إبر الأنسولين والدموع المكتومة، بين المرآة التي لم تعد تعكس إلا وجهًا منتفخًا بعينين شاحبتين، وبين هاتف لا يرن إلا برسائل عابرة من خالد:
"كيفك؟ إن شاء الله أحسن."
لكن رحمة لم تكن بخير.
كل شيء فيها بدأ ينهار: جسدها، روحها، ثقتها بنفسها.
بدأ وزنها يرتفع، لم تعد تحتمل نظرات الناس، ولا ثيابها القديمة، ولا صورتها القديمة.
أصبحت تتجنب المرايا كما تتجنب الحقيقة.
وأمام عينيها، بدأ خالد يتغير...
صوته أصبح أقصر، زيارته أقل، وملامحه حين يراها... باهتة، كسولة، مُحايدة.
وفي ليلة خريفية باردة، قالها ببساطة:
"أنا آسف، ما عاد فيني أكمّل. طلقك في المحكمة بعد أسبوع."
لا جدال. لا دموع. لا أسباب.
فقط "آسف"، وكأن الحياة تكتفي باعتذار، لتُكمل ضرباتها.
خرجت من بيته مطلقة ومريضة ومنهارة.
أرادت أن تصرخ، أن تحطم شيئًا، أن تمزّق هذا السيناريو الرديء... لكنها كانت رحمة، المرأة التي تعلمت أن تبكي داخليًا، وتبتلع الغصات بصمت.
في إحدى جلسات العلاج النفسي التي أُجبرت على حضورها بناءً على توصية الطبيب، جلست في صالة انتظار مكتظة، برائحة المعقمات والقلق، وهناك... لمحته.
رجل يرتدي كنزة رمادية، يقرأ في كتاب صغير، يرفع رأسه بين حين وآخر ويتأمل الناس، بعينين فيهما حزن دفين.
لم تعلم أن هذا الغريب... اسمه "عُمر".
ولم تعلم أن تلك الجلسة... ستكون بداية رمادٍ دافئ، في قلبٍ لا يزال يحترق.
---
(تكملة الفصل السادس: الحبة المُرّة)
كانت الإبرة تُغرس في ذراعها كل صباح، لكنها لم تعد تتألم من وخزها...
كان الألم قد استوطن أماكن أخرى، أعمق، لا تصل إليها الإبر.
في اليوم الرابع من دخولها المستشفى، استيقظت على صوت خطوات الممرضة وهي تهمس للطبيب خلف الستارة:
"نفسيًا منهارة... ما تأكل، ما تتكلم، لازم نعرضها على أخصائي."
لم تكن رحمة تنام، لكنها لم تعد قادرة على الرد.
كان صوتها محشورًا في صدرها، كدمعة متحجرة، كأن الكلام نفسه صار مرهقًا، مؤلمًا، لا فائدة منه.
نُقلت إلى الجناح البارد، حيث المرضى النفسيين، حيث النوافذ لا تُفتح إلا بإذن، والوجوه باهتة، والعزلة قاسية.
جلست على طرف السرير، تحضن نفسها، كأنها تحاول أن تتذكر كيف كانت...
كانت مرحة، رشيقة، محبة للحياة، تُجيد الرسم، وتضحك بصوت عالٍ عندما تسمع نكتة سخيفة من خالد.
الآن؟
أصبحت تمشي ببطء، تتنفس بصعوبة، تنظر إلى يديها وتخجل من الانتفاخ والتشققات، صارت تتحسس وجهها كأنها تود التأكد:
"هل هذه أنا؟"
في اليوم السادس، جاءت أمها للزيارة، ليس حبًا، بل إرضاءً لكلام الناس.
دخلت الغرفة ومعها كيس فيه عباءة جديدة وعلبة تمر.
جلست بصمت، نظرت إلى رحمة من رأسها حتى أخمص قدميها، ثم قالت:
"ما شاء الله... الحمد لله على كل حال. أهم شيء ترجعين بيتكم وتسترين حالك. المرض ما يعيب، لكن الناس ما يرحمون."
رحمة لم ترد.
كانت تريد فقط أن تضمها، أن تسمع منها جملة واحدة ليست مشروطة، ليست موجّهة للناس، بل لقلبها.
لكن الأم كانت تُجيد القلق أكثر من الحنان، وها هي ترحل دون أن تلمس يد ابنتها.
مرّت الأيام ثقيلة.
كانت تقف أمام المرآة وتحاول أن ترى رحمة التي كانت...
لكن كل ما كانت تراه: امرأة منتفخة الوجه، تحمل في عينها قهرًا مالحًا، وفي قلبها طعنة لا تزال تنزف.
ذات ليلة، انفجرت بالبكاء.
بكاء طفولي، شرس، مختنق...
بكاء امرأة لم يعلّمها أحد كيف تبكي.
صرخت بصوتٍ كاد يُسمع في أروقة المستشفى:
"ليش يا ربي؟! ليش كل هذا لي؟! شسويت؟!!"
لم يجبها أحد.
حتى الله عزوجل ، كانت تُناجيه في خجل ... و انكسار
لكن في عمق هذا الانهيار، وفي اللحظة التي اعتقدت فيها أنها ستفقد عقلها، دخل رجل الغرفة...
هدوءه كان غريبًا، ملامحه لم تكن باردة كالباقين، بل دافئة رغم وجعها.
رفع حاجبيه وهو يرى حالها، ثم قال بنبرة صادقة:
"تعبتِ؟"
هزّت رأسها، وهي تمسح دموعها بجلبة.
قال مجددًا:
"مو كل تعَب نهايته سقوط، أحيانًا نهايته شفاء... بس لازم نعدّي طريق الألم."
كان ذلك أوّل حوار صادق تسمعه منذ شهور.
لم تعلم من هو، لكنه جلس بجوارها على الكرسي دون أن يسأل إن كان مسموحًا.
قال مبتسمًا:
"أنا عمر... مريض،مثلك، ولكن ليس مرض جسد، قلبي هو الذي تعبان."
وهنا، تبدأ حكاية أخرى...
يتبع

تعليقات
إرسال تعليق