حصاد القمح

بقلم :   زهرة الراسبي

 لم تكن هيئه المنجل تبعث على الراحه وهو يهوي بالعرض على سنابل القمح المتماوجه بعنف ،فحجمه الكبير عن الحد المعقول وحافته المسننه بإتقان ، ومقبضه الخشبي المتين ،وماتلقي الشمس علي نصل المنجل من إشعاع عنيف على العين، توقض مشاعر مضطربه، فلا تدري: أتتفكر بسر ضخامة ذلك المنجل الغير مألوفه!؟ إم تبتعد خوفا من وريقات القمح المتطايرة وهي تنطلق كالسهام الحادة وكأنها تصرخ مستنجده،أم تغلق عينيك من وميض الحديد العاكس لاشعاع الشمس الملتهبه والمسيطرة على الجو العام للحقل.

                            

أخرج رجل المنجل منديلا معقما من جيبه، ومسحه على جبينه وهو يتأمل الشمس بعبوس هادئ والغريب إنه تاملها لوقت طويل بالنسبه للعلاقه بين الشمس والعين! فمستحيل أن تتجرأ العين في تلك الساعه على لمح الشمس وأقول لمحه فمابالك بالتأمل ! ربما اعتادت عيناه على ذلك مجبرة أو بسبب النظارات الشمسيه التي يرتديها خافيا نصف ملامح وجهه ورائها، وبعدها دس المنديل في جيبه واستكمل عمله بحصاد سنابل القمح المترقبة بخوف .

 كانت عضلات يديه وعروقهما مشدودة بقوه أثناء عمله بحصد تلك السنابل، وتتناثر حبات العرق منه بكميات هائلة، كنتيجه للجهد العظيم الذي يبذله، كما تصاقلت عروقه المنتفخه والمنتشرة في جميع أنحاء جسدة لتؤكد على المغالاه في بذل الجهد على سيقان القمح النحيله!

                               

 ففي العادة يكون حصاد القمح أكثر إريحيه للمزارع وهو بالنسبه له كالعيد فتراه يشارك العائلة والزملاء في الحصاد وابتسامته لاتفارق محياه رغم التعب، كما أن حركات يديه في حصد القمح كما الراعي الذي يجز فرو خرافه بلطف حتى لايرعبها ويظل مبتسما ليبث الطمئنينة في قلوبها البريئة، أما رجل المنجل هذا فتحركاته تنم عن إنتقام أكثر منها حصاد، فهمه إقتلاع سنابل القمح بعنف أكثر من تجميع القمح للتخزين ومن ثم الاستفاده

                                    

توقف هنية ليزيل النظارات الشمسيه من عينيه ومازال العبوس يسيطر على ملامحه ككل ليبسط احدى يديه على جبينه فوق عينيه وزاد من عبوس العين وضيقهما ورفع رأسه كانه يريد أن يرى أبعد مايصل اليه النظر من حقول السنابل البعيده، ويحسبها بعقله، ليرمي منجله بعيدا فيبتعد هو الاخر من ساحه المزرعه الواسعه الى حيث مبنى المعدات والمخازن.

                            

لحظة صمت تنتظر إختفاء رجل المنجل لايشوبها لا حفيف وريقات القمح المتراقصه، انهتها السنابل التي في المقدمه وهي تصرخ ساخطة على مثيلاتها في الوراء على مسافات هائلة : أيعجبكن مايحدث لنا ؟نحصد بهذه الشراسة من هذا الطامع المعتدي! وأنتن تمارسن حياتكن ولا يحرك حصاد رؤسنا فيكن ساكن!؟ ومن بعيد أجابت سنابل القمح الخضراء بينما الماء البارد يدغدغ جذورها المرتويه: ليس لنا علاقه بكن فكما ترن فحدودنا تبعد عن حدودكن بالاميال ،كما أن قطع أراضيها المتجاورة مفصوله بحاجز ترابي ذو ارتفاع بسيط، لذا نرجوا الا يتم إدخالنا بأموركن الداخليه حفاظا على سلامة علاقتنا الوديه معكن.

باستغراب متزايد ردت سنابل القمح في المقدمه :عن أي علاقة تتحدثين بالضبط؟ وهذا الارض التي كنا فيها بذورا صغيرة ننتظر الايام لتأذن لنا بالخروج على وجه الارض لنلامس الهواء ونقبل الشمس أليست أرض واحده وجذوركن وجذورنا أليست ترسخ مطمئنه على ذات الارض؟ وهذا الماء الذي يناسب بغديره الرقراق لتشرب منه جذورنا فترتوي سيقاننا وأوراقنا وحبات القمح الذهبيه اليس ماءا واحد؟ ويخرج من نفس البئر ؟ أم أن لكم بئرا آخر بعيدا عن ناظرنا ولانراه؟ كان صوت السنابل أقرب الى الهمس ولكنه لشدة حماسة السنبلات في المقدمه بدأ يتعالي شيئا فشيئا حتى بدأ الصخب يسيطر على الاجواء.

 كان الصخب يمتلئ بالعديد من الافكار و العديد من الشعارات والمبادئ المتنوعه والتي ربما تكون ايضا متباينه لكنها في الاخر تصب في هدف واحد وهو رفض جميع السنابل بأن يتم اقتلاعها وسرقتها من قبل هذا الرجل السارق تحت مسمى "حصاد السنه" فلم تراه إلا بالامس عندما بدأ يحصد أخواتها السنبلات في الواجهه بمنجله المخيف بالاضافه الى اليوم إذ بدأ بهن حيث توقف بالامس

قاطعتها سنابل القمح البعيدة : هوني عليك أيتها الجارات وابعدن عنكن هذه الشعارات الرنانة، كما يجب ان ينطلق حديثكن من مبدأ العقل المستند على القوانين العالمية والمعترف بها، فهذا الحقل كما ترين وإن كان مخصص لمعشر القمح فقط لكنه مقسم الى قطع متجاورة وبينها حدود مرسومه بالارض وموثقه بسجلات رسمية، ولايجوز لأي سنبلة في أي قطه أن تتعدى الحدود أو تتدخل في الشؤون الا بعد مبادلات الراي بين الطرفين وتكون عاليه المستوى تقوم بها السفارات بين القطع لذا فلا مجال للتدخل بكن أيتها العزيزات في المقدمة.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

المرأة ليست سلعة للتسويق

قلب مطمئن ونفس راضية

وميض مياسة