عاقل أم مجنون

 بقلم:سميرالشحيمي

من كتاب العشاء الأخير 


نزل فيصل من القطار واستقل سيارة أجرة لينهي الأعمال التي أتى من أجلها ، وفي نهاية اليوم اتجه لمحطة القطار ليعود إلى المدينة التي قدم منها.

سيتحرك القطار بعد ساعتين فذهب للمقهى بجانب محطة القطار وطلب كوب من الشاي فرأى رجل مجنون يجلس على الرصيف وهو يلعب بالمسامير التي بيده ثم رماها وهو يضحك بجنون ثم وقعت عين المجنون على فيصل وهو يضحك ويشير إليه قائلاً : هذا مجنون آخر يشرب الشاي غبي يشرب ماء لونه أحمر مجانين شفاكم الله. 

فيصل يشرب الشاي وينظر له بإستغراب ، والمجنون مستمر بضحك واللعب بالذي يجده أمامه ويحدث نفسه فقال فيصل في نفسه : شفاه الله هؤلاء المجانين لاحول لهم ولا قوه.

فطلب فيصل من صاحب المقهى أن يحضر له سندويتش فأخذها للمجنون وجلس بجانبه وقال له: تفضل هذه لك

المجنون امسكها بيده فتحها ثم رماها في ثياب فيصل صارخاً في وجهه : لا أريد منك شيئاً أيها المجنون.

فيصل في غضب : مالذي فعلته ياهذا ، بالفعل إنك مجنون.

المجنون : أنت المجنون حالك من حال هؤلاء المجانين الذين حولك.

يضحك بصوت عالي

إبتعد فيصل عنه ودخل ليغتسل بالمقهى وقال له صاحب المقهى : لا عليك ، إنه مجنون لا حرج عليه.

فيصل ينظر لصاحب المقهى ويعود ليجلس مكانه وهو ينظر إلى المجنون الذي يستمر بالضحك ، ومر عليه بعض الفتيه أخذوا يرمون عليه الحجاره والمجنون يحمي نفسه بتغطية وجهه من الحجارة ، فتدخل فيصل ليمنعهم فهرب الفتيه ثم قال المجنون : لبنه وزيتون. 

يحتار فيصل من كلام المجنون الذي كرر الجمله عدت مرات فذهب إلى المقهى وطلب منه إحضار لبنه وزيتون وأخذها إلى المجنون الذي بدء يتناول الطعام بشراهه حتى انتهى ثم قال : أيها المجنون أحمل صحنك وأغرب عن وجهي.

فيصل يجلس بجانبه وقال : هل تحب لبنه وزيتون؟

المجنون وهو يضحك : لبنه وزيتون ويستمر بالضحك

فيصل : ماهيه قصتك ولماذا تجلس هنا؟ 

المجنون : استمتع بمراقبة المجانين الذين مثلك.

فيصل : أنا خريج جامعي ومتفوق بدراستي. 

المجنون : لذلك أنت عبد لعقلك ويتحكم بك ؛ ويستمر المجنون بضحك.

فيصل : أعطني حكمة أستفيد منها بالحياه. 

المجنون : تطلب من مجنون حكمة أيها المجنون صاحب الشهادة الجامعيه ؛ فضحك المجنون ونهض وهو يقول لبنه وزيتون وهو يضحك أمسك فيصل بيد المجنون قائلاً : إلى أين؟

المجنون : أنتظر القطار ليوصلني إلى المحطة الأخيرة. ويضحك المجنون ويهم بالرحيل ولكن فيصل امسكه من يده بقوة قائلاً : لن أدعك ترحل حتى تخبرني ماهيه قصتك.

المجنون يبتسم وفي عينيه دمعة تريد أن تنزل ويخفيها لكي لا يراها فيصل وقال : لن تعجبك قصتي دعني أذهب بجنوني.

فيصل : لن تذهب حتى تخبرني من أنت. 

المجنون يصمت وتهدء حركته وجلس قائلاً : سأخبرك ؛ ثم تنهد وأردف قائلاً : أنا رجل متزوج من إمرأه جميله وانجبنا 5 أبناء كنت أعمل بالمختبرات الطبيه صيدلاني وزوجتي طبيبه نسائية ، نعمل بكل جد وحرمنا أنفسنا ووفرنا الكثير من المال وعلمنى أبنائنا أفضل تعليم وتعينوا بأحسن الوظائف عند زواجهم بنيت لكل واحد منهم منزل ، ومع مرور السنوات توفيت زوجتي وأصبحت يتيماً بعد وفاتها ؛ أول 3 أشهر كان يزورني أبنائي يومياً وبعدها اقتصرت زيارتهم لي في المناسبات فقط وكان في كل مرة يأتون لزيارتي يطالبون بالورث وأنا أخبرهم عندما أتوفى سوف ترثون كل شي لكن حديثي لم يحرك شيء في قلبهم غير أن زيارتهم لي بدءت تصبح معدومه ، فقررت أن أعطيهم نصيبهم من الميراث بالفعل أصبحوا سعداء وعادت زيارتهم لي شبه يومي ، بعد عدة أشهر بدءت تقل زياراتهم ثم طلبو مني بيع المنزل لأنه كبير علي وأقيم فيه وحدي فطلبوا مني بيعه وتقاسم أمواله ونصيبي يدفعونه لدار العجزه ويتم هناك الإعتناء بي فرفضت فهددوني إن لم أفعلها فسوف يحرموني من رأيت أحفادي هنا قلبي لم يحتمل ، فبعت البيت وجلست بدار العجزة وفي يوم من الأيام وأنا نائم زارتني زوجتي في منامي وهيه مبتسمه وتقول لي فعلت ما استطعت ، والله لايضيع أجر المحسنين ، هنا أحسست بأن لابد وأن أخرج من دار العجزة وبالفعل أدعيت الجنون وبعد عدة أشهر هربت من الدار وركبت القطار وجئت لهذه المدينه التي لا يعرفني أحد فيها وعشت فيها مجنون حرا وبلاقيود حتى يصلني قطار الرحمة وأذهب إلى أحبابي. 

فيصل أمسك بيد المجنون وقبلها ثم قال : بالفعل نحن المجانين لم تستحق الذي جرى لك ؛ هل وجبة لبنه وزيتون من وجباتك المفضله؟ 

المجنون : إنها وجبة أبنائي المفضله.

فيصل ينهض مارأيك أن تأكل معي؟ 

المجنون : لا مكان لي مع المجانين أمثالك ؛ ويضحك المجنون وأردف قائلاً وهو يجري : لبنه وزيتون أنني أسمع صوت القطار... فختفى المجنون وسط زحام الناس تاركاً فيصل غارقا في تفكير عميق. 


عزيزي القارئ أصعب شيء في العالم أن تثبت إنك عاقل عندما يفترض الآخرون إنك مجنون.


إنتهت.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

المرأة ليست سلعة للتسويق

قلب مطمئن ونفس راضية

وميض مياسة