رحمة..الفصل السابع

 بقلم :فايل المطاعني 

رعشة الأصابع الأولى

"لم تكن يدُه تمسك يدي… بل أيقظت فيها ما ظننتُه مات."

لم يكن في نيّتي أن أفتح قلبي من جديد.

كنتُ قد أغلقته بإحكام، بعد أن خذلني الحب، وانكسر كل شيء جميل في داخلي. لكن... يبدو أن الله يبعث لنا أحيانًا نسمة، فقط لنتنفّس الحياة مجددًا.


كان "عُمر" مختلفًا… لا يشبه خالد في شيء.

فيه هدوء غريب، وكأنّه يسمع نبضي حين أتكلم، وكأنّ عينيه تقرآن ما لم أُفصح عنه بعد.

حين جاء في ذلك اليوم، يحمل ملفًا بيد، وكوب قهوة في الأخرى، وابتسامة خفيفة ترتّب الفوضى بداخلي، أدركت أن شيئًا جديدًا يحدث.


قال وهو يمدّ لي القهوة:

– "عرفتِ أنك تفضلينها سادة، بدون سكر. صدفة؟ لا أعتقد."

ضحكتُ بخجل. لم أكن معتادة على أن يهتم أحد بتفاصيل بسيطة تخصّني.

قلت:

– "وهل أخبرك أحدهم عنّي؟"

ردّ، وهو يجلس أمامي بوقار الطبيب، وفضول الرجل:

– "العيون أحيانًا تقول أكثر من الكلمات."


يا الله... ما هذا الدفء؟

لقد اعتدت على الوجوه الصارمة، والنصائح الباردة، والقلوب المُغلقة.

لكن هذا الرجل... يملك شيئًا لا أستطيع تفسيره.


مرت جلسة العلاج تلك مختلفة تمامًا.

لم نُناقش كثيرًا الألم… بل تكلمنا عن الكتب، عن الموسيقى، عن الأماكن التي تُحبّها الأرواح الهاربة من واقعها.


قال لي في نهاية الجلسة، وهو يهمّ بالمغادرة:

– "رحمة… تعجبني طريقة صمتك، فيها حديث لا يسمعه الجميع."

وغادر…


جلست بعدها، أضم كفيّ على بعضهما…

أحاول تهدئة قلبي الذي بدأ يعزف لحنًا قديمًا… لكنه يبدو جديدًا تمامًا هذه المرة.


في اليوم التالي، وبينما كنتُ أقرأ كتابًا صغيرًا في صالة الانتظار، لمحتُ ظله قبل أن يصل.


قال بهدوء وهو يقترب:

– "أتحبّين نزار؟"


رفعت عينيّ، وكان يبتسم بنفس الابتسامة التي بدأت تحفظ قلبي شكلها.

هززتُ رأسي بخجل وقلت:

– "نزار يعرف كيف يكتب عن المرأة كأنّه يعرفها من الداخل."


جلس بجانبي، نظر إلى الكتاب قليلًا، ثم قال:

– "ربما لأنّه كان يستمع، لا يُقاطع."

صمتُنا كان أصدق من الكلام.


لمس أصابعي بالخطأ حين أخذ الكتاب من يدي،

نبض قلبي سريعًا، ولم أستطع إخفاء الارتباك في نظراتي.

ابتسم بلطف وقال:

– "أسف... ولكن يبدو أن يدك باردة!"


نظرتُ للأسفل، كمن تكتشف خجلها لأول مرة، وقلتُ بصوت منخفض:

– "ربما لأنها لم تُمسك شيئًا دافئًا منذ زمن..."


ساد صمتٌ صغير.

صمتٌ قال كل شيء، دون أن يُقال شيء.


في تلك اللحظة، شعرتُ أنني لم أعد وحدي.

ثمة نور خافت يتسلل إلى داخلي… اسمه: عُمر.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

المرأة ليست سلعة للتسويق

قلب مطمئن ونفس راضية

وميض مياسة