رحمة 16.. عبور الظل
بقلم : فايل المطاعني
لم تكن الكلمات التي قالتها العجوز مجرد مواساة عابرة، بل كانت كأنها بذرة ألقتها في قلبي، تنتظر اللحظة المناسبة لتنبت.
جلست طويلًا أتأمل ضوء الشمس وهو يتسلل من بين الستائر، يرقص على الجدار مثل طفل مشاغب، يذكّرني بأن الحياة لا تزال عنيدة، قادرة على التسلل حتى إلى أضيق الزوايا.
لكن قلبي… كان لا يزال مثقلاً. كل شيء حولي يهمس باسمه. رائحة قهوته في الفنجان الذي لم ألمسه منذ رحيله، صوته العالق في أروقة البيت، وحتى صمتي كان يشبهه.
في تلك اللحظة، أمسكت بدفتري. لم أكتب رسالة لعمر، بل كتبت لنفسي:
"رحمة… ربما لن يعود، وربما ستظل الذكريات تنزف داخلك، لكنك لم تُخلقي لتعيشي في الظل. اعبري… ولو خطوة واحدة نحو الضوء."
أغلقت الدفتر بقوة، كأنني أختم عهدًا جديدًا مع نفسي.
قمت أرتّب البيت، جمعت ما تبقى من أوراقه المبعثرة، رتبت كتبه، وأعدت قهوته التي لم يعد أحد يشربها. لم أفعل ذلك لأبقي أثره، بل لأتصالح مع هذا الغياب، لأقول له: "أنا هنا… وسأكمل."
وقبل المغيب بقليل، خرجت لأول مرة منذ أيام. الهواء كان باردًا، يلسع وجهي لكنه يوقظني.
في الطريق، رأيت أطفالًا يلعبون الكرة، ضحكاتهم اخترقت حزني مثل سهام صغيرة، لكنها لم تجرحني… بل جعلتني أبتسم.
في أعماقي، أدركت أن الحزن لا يرحل فجأة، بل يتناقص كلما سمحنا للحياة أن تقترب.
وربما… سيأتي يوم ألتفت فيه إلى الخلف، فأرى أنني عبرت الظل حقًا، وأن الضوء لم يكن بعيدًا كما تخيلت.

تعليقات
إرسال تعليق