عالم أرواح شاكر العقيد..الفصل الأول

 عروس خسوف القمر

بقلم: سمير الشحيمي

الساعة الآن الحادية عشرة مساءً. كانت لطيفة في المطبخ تنظف أطباق الطعام بعد وجبة العشاء، حين أتى إليها ابنها فهد، البالغ من العمر ثماني سنوات.


فهد: أمي، إن أخي راكان لا يدعني أشاهد التلفاز.


لطيفة: الآن ليس وقت مشاهدة التلفاز، يا بُني. حان وقت النوم، فغدًا مدرسة.


فهد: لكني أريد متابعة المسلسل الكرتوني، وراكان يريد متابعة مباراة على القناة الرياضية!


لطيفة: لن أكرر كلامي مرة أخرى. أخبر راكان أن يُطفئ التلفاز وتذهبان إلى النوم، وإلا سترَيان ما لا يُعجبكما.


فهد: حسنًا.


لطيفة: وأين أختك أسمهان؟


فهد: لا أعلم، أظن أنها نائمة.


خرج فهد من المطبخ، تاركًا لطيفة تتابع تنظيف الأطباق. وفجأة سُمِع صوت فتح باب المنزل الخارجي؛ لقد عاد زوجها فاروق، ودخل إلى المطبخ.


فاروق: ما زلتِ تعملين؟


لطيفة دون أن تنظر إليه: وما رأيك أنت؟


فاروق: وأين أبناؤكِ؟


لطيفة: أخبرتهم أن يذهبوا للنوم.


فاروق: حسنًا.


لطيفة: إلى أين؟


فاروق: إلى النوم كالمعتاد، ما الذي تريدينه؟


لطيفة تنظر إليه: يا رجل، ألا تملك أدنى مسؤولية تجاه أبنائك ومنزلك؟


فاروق يميل برأسه: نفس الأسطوانة في كل مرة! ماذا حدث هذه المرة؟


لطيفة: أبناؤك بحاجة إلى اهتمامك. إما أنك في العمل، أو تسهر مع أصدقائك.


فاروق: اختصري، ما الذي تريدينه بالضبط؟

لطيفة تصمت لوهلة ثم تدير ظهرها قائلة: بإمكانك الذهاب إلى الجحيم.

فاروق: تبا لكِ.

غادر فاروق إلى غرفته، فقد عزل نفسه عنها منذ فترة، وكلٌّ منهما ينام في غرفة منفصلة.

بعد دقائق، أنهت لطيفة تنظيف الأطباق، أطفأت ضوء المطبخ، وأغلقت بابه خلفها.

اتجهت إلى غرفة المعيشة، لكنها سمعت صوت حركة خلفها. التفتت نحو مصدر الصوت. في المنزل شجرة صنوبر عملاقة، قديمة، اعتادت لطيفة أن تسمع أصواتًا غريبة تصدر منها.

تعوّذت من الشيطان، ثم دخلت إلى الصالة، واتجهت نحو غرفة أبنائها فهد وراكان. فتحت الباب، فوجدتهما يشاهدان التلفاز.


لطيفة: كلامي كان واضحًا.


راكان: ستنتهي المباراة بعد قليل يا أمي.


لطيفة تُغلق شاشة التلفاز قائلة: أنا من سيتعب صباحًا في إيقاظكما للمدرسة، لا والدكما. هيا إلى السرير.

توجه فهد وراكان إلى سريريهما.


فهد: أريد النوم معكِ الليلة.


لطيفة: لا، ستنام في سريرك. أستحق أن أنام براحة بعد عناء يوم طويل من العمل والتنظيف.

راكان: إنه خائف.

لطيفة: ممَ تخاف؟

راكان: يقول إنه يرى أحدًا يمشي في الممر.

لطيفة تمسح على رأس فهد: كلها تهيؤات يا بُني. قل "بسم الله" وستنام.

فهد: لكن يا أمي، أنا لا أتوهّم. لقد رأيت ظلًا مخيفًا أكثر من مرة.

لطيفة: إن ظللت تفكر فيه، ستصدّقه. عليك أن تنساه حتى لا يعود إلى ذهنك.

فهد: حسنًا يا أمي.

لطيفة: تصبحان على خير.

أغلقت الإضاءة، وأغلقت الباب خلفها، ثم ذهبت إلى الغرفة المجاورة لغرفة الأولاد، وفتحت الباب، فوجدت ابنتها أسمهان تسرّح شعرها.

لطيفة: ما زلتِ مستيقظة؟

أسمهان: سأُنهي تسريح شعري بعد قليل.

لطيفة: هل أنتِ بخير؟

أسمهان: نعم يا أمي، لماذا؟

لطيفة: لأنك لم تتناولي عشائكِ.

أسمهان: لا أشعر بالجوع يا أمي.

لطيفة: لكن صباحًا يجب أن تتناولي وجبة الإفطار كاملة.

أسمهان: حسنًا يا أمي.

لطيفة: تصبحين على خير.

خرجت لطيفة وأغلقت الباب خلفها.

دقّت الساعة الثانية عشرة والنصف بعد منتصف الليل. اتجهت إلى غرفتها، ومن خلال النافذة لمحت حركة ما، فنظرت إلى الخارج.

رأت ظلًا يمر من باب المطبخ نحو الشجرة.

قالت لنفسها: ما الذي يفعله هذا الرجل الكريه، فاروق، في مثل هذه الساعة؟!

فجأة، قفزت قطة من أمام النافذة، ما أخاف لطيفة، وتسارعت دقات قلبها.

لطيفة: تبًا لكِ! لقد أخفتِني أيتها الحمقاء.

ثم دخلت إلى غرفتها، واتجهت إلى دورة المياه لتستحم، ثم بدّلت ملابسها، وجلست على السرير.

مدّت يدها إلى الطاولة الصغيرة لتتناول كوب الماء، فلم تجده.


لطيفة: آه من التعب... نسيت أن أحضر الماء من المطبخ.

نهضت من مكانها، واتجهت إلى المطبخ، فتحت الثلاجة، وأخرجت قارورة ماء بلاستيكية.

أغلقت الثلاجة وانصرفت.

لكن خلف باب الثلاجة كان هناك ظلٌ يقف، عيناه كاللهب من شدة الاحمرار... لم تلاحظه لطيفة.

أغلقت باب المطبخ وعادت إلى غرفتها، ثم تمدّدت على السرير ونامت.

الساعة الآن الثالثة بعد منتصف الليل. الجميع نائم بعمق.

في غرفة لطيفة، بدأ أحدهم يسحب بطانيتها...

فتحت عينيها بتثاقل، جذبت البطانية مجددًا، أرادت العودة للنوم، لكنها شعرت بحاجتها إلى دورة المياه، فذهبت، ثم خرجت بعد دقائق.

حدثت نفسها بأنها ستتفقد أبناءها.

ذهبت إلى غرفة راكان وفهد، وجَدتهما يغطّان في نوم عميق، ثم خرجت.

فتحت باب غرفة أسمهان، فوجدتها نائمة هي الأخرى، فأغلقت الباب.


حين عادت إلى غرفتها، سمعت صوتًا صادرًا من غرفة جيهان...

عادت بخطوات بطيئة، فتحت الباب ببطء...

وكانت الصدمة!

رأت أسمهان تطير مرتفعة قليلاً عن سريرها، وفوق السقف ظلٌّ أسود، فمه مفتوح، وعيناه كالجمر.


كان هذا المشهد كافيًا ليجعل لطيفة تصرخ بكل ما أوتيت من قوة، مما دفع الظلّ الأسود إلى النظر إليها، ثم هاجمها!


...يتبع

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

المرأة ليست سلعة للتسويق

قلب مطمئن ونفس راضية

وميض مياسة