أيّ الدارين تختار؟
بقلم : زينة سليم سالم البلوشي
أيّ الدارين تختار؟
الجنةَ أم النار؟
طبعًا، دون تردّد، سيُجيب الجميع: "نختار الجنة."
لكن الحقيقة أننا لا نختار بألسنتنا، بل بأفعالنا.
كم من أناسٍ يغتابون،
ويشتمون،
ويتنمّرون على الضعفاء!
وكم من ظالمٍ يمشي في الأرض كأنّ مفاتيح الجنة في جيبه،
لا يخاف الآخرة، ولا يخشى الحساب!
غريبةٌ هي حياةُ بعضِ البشر...
يرجون الجنة بألسنةٍ لا تعرف للطُّهرِ طريقًا،
وبقلوبٍ امتلأت حقدًا وكِبرًا.
كن فاعلًا للخير.
تصدّق بيمينك، ولا تُخبر يسارك.
ساعد الفقير،
وارفق بالحيوان،
ازرع في الأرض رحمة،
وفي قلبك نقاء.
دع قلبك مرآةً نقيّة تعكس نور الإيمان، لا يُعكّر صفاءها غبار الحقد.
الجنةُ ليست دارًا للحاقدين،
ولا مأوى للظالمين،
بل هي دارُ الصالحين،
المحبّين،
الطيّبين.
هناك داران:
دارُ الفناء ودارُ البقاء.
دارٌ نغادرها، ودارٌ نبقى فيها.
أما دارُ الفناء، فهي الدنيا الزائلة،
وأما دارُ البقاء، فهي الآخرةُ الدائمة.
نحن مُخيَّرون في أفعالنا، ولسنا مُسيَّرين،
ونحن من يجب أن نُسيطر على أفعالنا وتصرفاتنا.
تذكّروا: ليس منّا من لا يُخطئ،
ولكن خيرُ الخطّائين التوّابون.
طريقُ المغفرة مفتوحٌ دائمًا،
فالله عفوٌّ رحيم... تذكّروا ذلك.
لكن اعلموا أيضًا أنّه شديدُ العقاب.
لا تستهينوا بعقاب الله،
فكم من أناسٍ نسوا عقابه، وانخدعوا ببريق الدنيا، وماتوا على غفلة!
وكم من أناسٍ نسوا الله، فلم تُذَكّرهم إلا ساعة الفراق!
تذكّروا دائمًا: لا شيء يستحق الغرور.
ولا تغترّوا بمغريات الحياة،
فهي سرابٌ يلمع في عيون الغافلين، وستزول كما نحن زائلون.
تذكّروا لماذا خُلقنا، وما هو هدفُنا، وما هي رسالتُنا.
كونوا أكثر وعيًا، وغيّروا من أنفسكم،
فإنّ الله لا يُغيّر ما بقومٍ حتى يُغيّروا ما بأنفسهم.
ابدأ بنفسك أولًا، فهي المرآة التي تعكس صلاحك.
سِر في طريق الخير والصلاح، وابتعد عن دروب الشر والضياع.
كن كما وُلدت: طفلًا نقيًّا، لا يرى من الحياة إلا بياضها،
ولا يحمل في قلبه إلا نور الرحمة.
تمسّك بدينك، واقترب من ربّك، وتذكّر آخرتك.
فنهايتُنا قبر، وسنكون تحت التراب،
لن ينفعنا مالٌ، ولا بنون، ولا أهل،
ما من شيءٍ سيرافقنا إلا أعمالُنا.
ولأنّ الإنسان مُخيّر، لا مُسيّر ولا مجبور،
فهو قادر على اختيار طريقه بنفسه.
سأشارككم موقفًا عشته بتفاصيله العميقة والدقيقة
ذات صباحٍ باكر، استيقظتُ متحمّسةً للقاء زميلاتي،
فقد كانت لدينا خرجة ترفيهية، ولم أرغب في تفويتها.
تجهّزتُ وخرجتُ مسرعة، ووصلت إلى المكان المتّفق عليه،
فوجدت أن جميع زميلاتي قد سبقنني بالحضور.
بادرتُ باحتضان كلّ واحدةٍ منهن،
ومددتُ يدي أُسلّم عليهن، ثم جلسنا نتبادل الأحاديث والذكريات.
استرجعنا لحظات الدراسة، وضحكنا على أيامنا الأولى
وفجأة، قالت إحداهنّ بنبرة خفيّة من السخرية:
"انظروا من جاءت! إنها فلانة ما الذي جاء بها إلى هنا؟!
إنها لا تليق بهذا المكان!"
كانت كلماتهنّ كسهامٍ مسمومة،
طعنتني، رغم أنني لستُ المقصودة،
فكيف لو سمعت المسكينة حديثهن؟
كلماتهن كانت كالسيف، حادّة، جارحة، تشقّ المشاعر بلا رحمة.
فقلت بهدوء: لا يجب أن نغتاب أحدًا.
لكن كلماتي لم تَرُق لهن، فنظرن إليّ باستياء، ثم تركنني ومضين.
ومع ذلك، لم أنزعج.
فأنا لا أريد أن أرافق من يتلذّذون بجرح الآخرين.
أبحث عن صحبةٍ طاهرة، تمسك بيدي نحو الجنة،
صحبةٍ تشعل شموع الهداية في طريقي، وتزرع نورًا في آخرتي،
صحبة كالأزهار، طيّبة الرائحة، طاهرة اللسان، نقيّة القلب.
ومنذ ذلك اليوم، فتحتُ صفحةً جديدةً في حياتي،
مع زميلاتٍ صالحات، كنّ لي كما تمنّيت
يمسكن بيدي إلى الجنة لا إلى النار.

تعليقات
إرسال تعليق