الذكريات و الحارات المفقوده

بقلم : عصماء بنت محمد الكحالية 

ما أسرع ما يمضي العمر، وما أهون ما تُمحى الأمكنة على يد البشر وكأنهم لا يدرون أنّ في كل حجرٍ ذاكرة، وفي كل جدارٍ سرًّا، وفي كل زاويةٍ روحًا تنبض بالحياة ما زلت أذكرني طفلةً في العاشرة، كنتُ أقضي المبيت في بيت جدّي، وحدي، بلا إخوتي، بلا أمّي وأبي. كنتُ أشعر كأنّ لي في ذلك البيت حياة أخرى مختلفة، لها طعمٌ خاص لا يشبه شيئًا عرفته من قبل.

كانت يد جدّتي توقظني قبل طلوع الفجر، بصوتها الرقيق الذي ينساب إلى قلبي دفئًا وسكينة، لأشاركها تنظيف البيت وترتيب أشيائه نهزُّ الغبار عن المقاعد، نغسل أرضه بالماء والصابون، ونملأ أرجاءه بروائح الجميله

ثم نمضي معًا إلى زيارة جاراتها في الحارة… آه يا لحاراتنا القديمة حين تستيقظ في الصباح!

تشرق الشمس على أسطح البيوت الطينية، فتتلألأ كأنها تكسوها ذهبًا، وينبعث في الأزقّة عطر الخبز ممزوجًا برائحة الهيل والقهوة. تُسمَع من بعيد أصوات الباعة ينادون على بضائعهم:

«عسل! تمر! ليمون عماني!»

وأصوات الدلالين يصدحون بأخبار البيوت، ويطرقون الأبواب بحذر حاملين الرسائل أو الأغراض.

ويملأ صوت البحر الحارة، كأنه موسيقى سرية لا يفهم لحنها إلا أهل المكان.

تتناقل النسوة أخبارهنّ من فوق الأسوار، وترتفع ضحكاتهنّ حين يمازحن بعضهنّ، وتتهامس الفتيات بأحلامهن الصغيرة في ممرات ضيّقة، تفوح منها رائحة الحناء والبخور.

وأتذكّر موقفًا لا يفارق ذاكرتي أبدًا… حين كنّا نجمع ثمر البيذام من أشجار الحارة، بأيدينا الصغيرة المتحمّسة، ونفرحه بملء أكياسنا الصغيرة بحبّات البيذام التي تتلألأ تحت ضوء الشمس. كانت جدّتي تقول لنا:

«الخير ما يكتمل إلا إذا تشاركناه».

فنمضي بعدها أنا وجدّتي، نطرق أبواب الجيران، ونقدّم لهم بعضًا مما جمعناه، والابتسامات تعلو الوجوه، والدعوات الطيبة تُقال لنا في كل بيت نزوره. كم كان لذلك الموقف طعم خاص في قلبي… طعم السخاء، وطعم الفرح الذي لا يعرفه إلا من ذاق حلاوة العطاء.

كانت حارتنا عالمًا صغيرًا نابضًا بالحياة، أؤمن أنّه سيبقى ما بقيت السماء والأرض. لم أكن أتصوّر يومًا أن يجيء زمن تُمحى فيه تلك الحارة بقرارٍ واحد، وأن تُهدم البيوت، وتُمحى الأزقّة، وتُصبح الأرض فسيحةً خاليةً كأنها لم تعرف يومًا وقع أقدامنا، ولا دموعنا ولا ضحكاتنا

كيف ذهبت الحارة كلّها بغمضة عين؟

كيف صارت بيوتها القديمة أطلالًا في الذاكرة، وصار المكان الذي شهد خطواتنا وأحلامنا مجرّد أرضٍ فارغة تنتظر أبنية جديدة لا تعرفنا ولا تعرف حكاياتنا؟

إنّ ما يؤلمني حقًّا ليس رحيل الجدران ولا زوال الأزقّة، بل اختفاء تلك التفاصيل الصغيرة التي كانت تمنح حياتي معنى: رائحة خبز جدّتي الساخن، خطواتي وأنا أعدو خلف جدّتي بين البيوت، حديث الجارات، أصوات الباعة المتجوّلين، صوت البحر حلاوة البيذام الذي كنّا نجمعه ونوزّعه، ضوء الشمس حين ينسكب في الممرات الضيّقة كأنه خيوط ذهب منسوجة خصّيصًا لحارتنا.

رحل كثيرٌ ممّن أحببناهم، ورحلت الأماكن التي كانت تحتوينا، لكن الذكريات تأبى الرحيل.

إنّ الذكريات تسكنني، تحيا في صدري كنجومٍ لا تنطفئ، تضيء لي ليالي الوحشة، وتذكّرني أنّ لنا دومًا جذورًا ضاربةً في عمق الأرض مهما تغيّر وجه المدن، ومهما زُحزحت البيوت.

فكيف أُسلّم بأنّ حارتنا القديمة اختفت، وأنا ما زلتُ أراها كلّما أغمضتُ عيني؟

كيف أصدّق أنّ بيت جدّي صار عدمًا، وأنا لا أزال أسمع صوته يتنفّس في ذاكرتي، وأشمّ عبقه في قلبي؟

قد يمحون الحجارة، قد يزيلون الطرقات، لكنّهم لن يقدروا على محو الذاكرة، ولا على انتزاع الحبّ الذي غرسناه ذات طفولة في تراب تلك الحارة، وفي قلب بيت جدّي.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

المرأة ليست سلعة للتسويق

قلب مطمئن ونفس راضية

وميض مياسة