ما بين صرختي الأولى... وصمتها الأخير

 بقلم . طاهرة الشامسية 


في كل عام، يحلّ أكتوبر بثقله المعتاد، يحمل حقيبته المكدّسة بالحنين، ويطرق بابي دون استئذان… فأفتح له قلبي بين رجفة الترقب ونبض الذكرى.

أكتوبر ليس مجرّد شهر في رزنامة أيامي، بل هو البداية التي اختارتها الحياة لي.

كانت أول صرخة لي في صباحٍ من صباحاته، وكأن قدري أراد أن يولد في خريفٍ تتساقط فيه الأوراق وتتشكل الملامح من جديد.

لكن أكتوبر، لم يكتفِ أن يكون فاتحة النور، بل قرّر أن يحمل في طياته النهاية أيضًا.

فيه رحلت أمي…

رحلت من كانت كل بداياتي معها أجمل، وكل النهايات برحيلها أقسى.

رحلت بصمتٍ يشبه سقوط الورق، بلا ضجيج، بلا وداع.

كيف أحتفل بيوم مولدي، وأنا أفقد أول من كان يحتفل بي؟

كيف أضحك في الشهر ذاته الذي غابت فيه ضحكتها؟

صار يوم ميلادي مغموسًا بطعم الفقد، وصار أكتوبر شاهدًا على تناقض لا تقوى عليه روحي: مجيئي إلى الدنيا... ومغادرتها منها.

لم يعد أكتوبر خريفًا عابرًا، بل خريف روحي بكل ما فيه من ارتباك ووجع.

لم يعد موسم التهاني، بل موسم الذكريات… أدخل فيه صامتًا، أرتّب فيه الدعوات للغائبة الحاضرة، التي تسكنني رغم الغياب.

ومع مرور كل عام، أشعر أنني أكبر سنة… لكنني أفقد جزءًا آخر من دفء حضنها.

وفي كل أكتوبر، أرفع بصري إلى السماء متسائلًا:

أما زلتِ يا أمي ترين شموعي تنطفئ بقلبٍ مكسور؟

هل تصلكِ دعواتي حين أقول: "كل عام وأنا أشتاقك أكثر"؟

رحمكِ الله يا أمي…

وجعل من يوم مولدي ذكرى حبٍّ لوجهك، لا تاريخًا يئن من غيابك.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

المرأة ليست سلعة للتسويق

قلب مطمئن ونفس راضية

وميض مياسة