جرس منتصف الليل
بقلم: زينة سليم سالم البلوشي
كان كل شيء في المدينة نائمًا... إلا ذلك المنزل الصغير.
تسكنه عائلة هادئة: الأم مريم، الأب سالم، الطفلة ملاك ذات السبع سنوات، والابن علي ذو العشر سنوات.
عُرفوا بين جيرانهم بالطيبة، والكرم، والمحبة. لم يتوقعوا أن تكون تلك الليلة نهاية كل شيء.
في تمام الواحدة بعد منتصف الليل، دق جرس الباب فجأة.
ارتبك الجميع… من يأتي في مثل هذا الوقت؟
تبادلوا النظرات… الخوف تسلّل في صمت.
تقدّم سالم نحو الباب،
فتحه بحذر، تفحّص المكان... لا أحد.
استدار ليقول:
"لا يوجد أحـد"
لكن الرصاصة سبقت كلماته، واخترقت رأسه.
سقط على الأرض كدمية فقدت الحياة… أمام عيون زوجته وأطفاله.
صُدم الجميع.
لم تصرخ مريم، ولم يتحرك علي.
فقط ملاك اختبأت خلف الكرسي، ترتجف كعصفورٍ مبتلّ.
دخل القاتل دون أن تُرى ملامحه…
اقترب من جسد سالم، وببرودٍ بشع… قطع رأسه.
لم تكن جريمة قتل، بل كانت مجزرة مُخططة بدقة.
مريم لم تحتمل، فسقطت فاقدة للوعي...
لكن الحقيقة كانت أقسى: لقد ماتت من هول الصدمة.
علي، وهو الشاب الصغير القوي، شعر بأنه لا يستطيع تحريك قدمٍ واحدة.
أما ملاك، فعقلها ما يزال يرفض تصديق ما رأته عيناها.
القاتل التفت إليهم، ونظر إليهم نظرة باردة، ثم قال بصوتٍ أجوف:
"لن أقتلكم الآن... عليكم أن تعانوا أولًا.
سأعود لاحقًا لأُنهي ما بدأته."
ثم ضحك ضحكة باردة، تقشعر لها الأبدان… وغادر، تاركًا الباب مفتوحًا خلفه.
مرت لحظات طويلة...
الزمن متوقّف، والرعب يملأ المكان.
نهض علي بصعوبة، واقترب من أمه، ناداها بهمْسٍ مرتجف:
"أمي؟... أمي، قومي…"
لكنها لم تجبه.
اقترب أكثر، ووضع أصابعه على عنقها يبحث عن نبض… لا شيء.
شهق بصوتٍ خافت، وحاول التماسك.
جرّ جسده إلى الهاتف، ويداه ترتجفان وهو يطلب الشرطة.
أما ملاك، فظلّت جالسة في زاويتها… تنظر إلى الجدران وكأنها انفصلت عن الواقع.
وكأن الزمن تجمّد بالنسبة لعلي وملاك، والوقت يمضي ببطءٍ شديد.
لم تمرّ سوى لحظات حتى وصلت الشرطة إلى موقع الجريمة، وأحاطت المكان بالكامل.
توجّه المحقق "سعيد"، الذي عُرف بشجاعته وصرامته وحلّه للجرائم في أسرع وقت،
نحو علي وقال له:
"أخبرني، ماذا حدث؟"
لكنّه لم ينتبه لوجود فتاة مختبئة خلف الكرسي، حتى جاء أحد العناصر ليبلغه بذلك.
أصدر المحقق أوامره بنقل الأطفال إلى مركز الشرطة، وأُخذت الجثث للفحص.
وما إن وصلت الشرطة، حتى تجمّع الجيران حول المكان، محاولين الاقتراب من الأطفال،
إلا أن الشرطة منعت الجميع من دخول موقع الجريمة.
وصل الأبناء إلى مركز الشرطة،
وأكمل المحقق حديثه مع علي، وطلب منه أن يشرح ما حدث.
بدأ علي يتحدث بصوتٍ مرتجف، يشرح للمحقق كل ما رأته عيناه،
وكانت الصدمة بادية عليه.
طلب المحقق أن يتم عرض الأطفال على الأطباء،
فهم في حالة انهيار بعد أن خسروا أعز ما يملكون في يومٍ واحد،
فقدوا الحنان والأمان.
أمر المحقق سعيد عناصره بالبقاء مع الأطفال،
ثم توجّه إلى قسم التشريح.
وبعد انتهاء الطبيب من تشريح الجثة،
أعطى تقريره الكامل للمحقق.
توجّه المحقق بعد ذلك إلى مسرح الجريمة،
وبدأ بتفحّص كل زاوية في المكان،
علّه يجد دليلًا يقوده إلى الجاني.
بدأ بالصالة، فكانت مرتّبة وذات إطلالة جميلة، ولم يجد شيئًا مريبًا،
ثم توجه إلى الغرفة، ولكنها بدورها لم تُظهر شيئًا يُذكر.
وأخيرًا دخل إلى المكتب، وبدأ البحث بتركيز أكبر،
وهناك وجد رسائل ممزقة، بدأ بتجميعها.
كانت هناك تهديدات صريحة مكتوبة،
كما لاحظ وجود هاتف الضحية (سالم) على المكتب،
فأخذه وبدأ بتفحّصه.
وإذ به يرى أكثر من 100 مكالمة من رقم مجهول،
إلى جانب رسائل تهديد، ومكالمات تم الرد عليها.
اتصل المحقق بشخص يُدعى "رائد"،
وطلب منه تتبّع الرقم المجهول،
وتحديد هوية صاحبه والاستماع لجميع المكالمات المتعلقة به.
وبعد ساعتين تقريبًا من البحث الدقيق،
جمع المحقق العديد من الأدلة وعاد إلى مقر الشرطة،
وطرح على نفسه سؤالًا صعبًا:
"من هو العقل المدبّر وراء هذه الجريمة؟ وما الدافع الحقيقي؟"
لم تمر إلا لحظات، حتى تلقى اتصالًا من رائد،
الذي أخبره بأن الرقم يعود إلى أخطر رجل،
قاتل محترف يُدعى مصطفى.
ومع أنه معروف بسجله الإجرامي،
لم يتمكن أحد من حبسه بسبب قلّة الأدلة.
لكن اليوم، أصبح لديهم كل ما يحتاجونه للقبض عليه.
أمر المحقق عناصره بالتجمع،
فهم على وشك القبض على أخطر رجل عصابة.
وبعد نصف ساعة، وصلوا إلى موقعه وتم القبض عليه.
بدأ التحقيق، وكان صارمًا للغاية،
حتى اعترف مصطفى، بعد ضغط طويل،
بأن رجلًا يُدعى محمد هو من أمره بقتل سالم،
ودفع له مبلغًا ضخمًا مقابل تنفيذ الجريمة.
طلب المحقق من مصطفى وصف ملامح هذا "محمد"،
واستدعى رسامًا محترفًا يُدعى "سيف".
وصل سيف بعد نصف ساعة،
وبدأ برسم ملامح الرجل بناءً على وصف مصطفى.
وحين انتهى، أعطى الرسمة للمحقق.
ذهب بها إلى علي وسأله:
"هل تعرف هذا الشخص؟"
نظر علي إلى الرسمة، وصرخ بذهول:
"نعم! طبعًا أعرفه… إنه عمي، أخو أبي!"
صُدم المحقق من الإجابة، وبقي حائرًا،
لا يعرف كيف يخبر علي بأن عمه هو العقل المدبّر،
وأنه السبب في مقتل والده.
لكنّه جمع قوّته، وقال له الحقيقة.
انهار علي، وبدأ يصرخ:
"غير معقول! هذا الكلام ليس صحيحًا!
رجاءً، قل إنك مخطئ!"
ثم انفجر بالبكاء،
أما ملاك، فلا تزال في حالة صدمة كاملة.
أمر المحقق فورًا بالقبض على العم وإحضاره للتحقيق.
وبعد فترة، تم استجوابه،
واعترف بكل شيء.
أخبرهم بأنه أراد قتل أخيه ليأخذ الميراث لنفسه،
وأنه هدّده كثيرًا ليتنازل عن الميراث،
لكن سالم رفض دائمًا، فقرّر التخلّص منه.
تم الحكم على العم بالإعدام،
وسُجِن مصطفى كذلك.
أما علي وملاك،
فعاشا في دار الأيتام حتى كبرا.
وبدأت ملاك تدريجيًا بالتعافي واستيعاب ما حصل،
ثم قرّرا فتح صفحة جديدة.
عاشا على أمل أن يكون ما مرّا به مجرد كابوس،
لكن الحقيقة كانت أليمة.
أصبح علي السند الوحيد لملاك،
ووعد نفسه ألّا يسمح لأي شر أن يقترب منها بعد اليوم،
فهي آخر فرد من عائلته، وسيبقى يحميها ما دام حيًا.

تعليقات
إرسال تعليق