حين غيّر الرمل مساره”
بقلم: محمد بن العبد مسن
في أعماق الصحراء، حيث لا يسمع المرء إلا صفير الريح ورجفة الرمال، عاش “غانم”، شاب نحيل الجسد، لكنه ممتلئٌ بالإرادة حتى أطراف الحلم. وُلد في بيت طيني متواضع، بقرية لا يزورها الضوء إلا لمامًا، لكنها كانت كافية لصياغة رجلٍ من نار.
منذ صغره، كان مختلفًا. لا يركض خلف الكرة كأقرانه، بل يجلس على الرمل يرسم دوائر ويكتب أحلامه عليها بالعصا. سأله أبوه مرة: “لماذا تكتب على الرمل؟” فقال: “لأعلّم الريح أن لا تمحو ما أؤمن به.”
كان غانم مولعًا بالاختراعات، يصنع من علب العصير سيارة، ومن أسلاكٍ صدئة مذياعًا يبث فيه صوته ليحاكي مذيعي الأخبار. سخر منه البعض، وضحك آخرون، لكنه لم ينكسر. بل كان كل سخرية تصقل عزيمته وتؤجج في قلبه جمرة جديدة.
ذات يوم، حضر إلى قريتهم فريق من إحدى الجامعات لإقامة معرض علمي صغير. لم يكن غانم ضمن المدعوين، لكنه حضر كعادته، متسللًا من بين الزحام، يحمل في يده صندوقًا خشبيًا قديمًا، داخله آلة اخترعها من الخردة، تولّد طاقة بسيطة من حرارة الشمس والرمل.
ضحك بعض الزوار، لكن عالِمًا واحدًا انحنى، نظر بتمعن، ثم قال: “من أين لك هذا العقل؟” فأجابه غانم بثقة: “من الشمس التي تحترق فوقنا، والرمل الذي تظنه بلا فائدة.”
بعد أسابيع، تلقى غانم دعوة من الجامعة ذاتها، منحوه منحة كاملة. لأول مرة، يغادر قريته، ولأول مرة، يدخل مبنى فيه مختبرات حديثة لا يشبه حيطان الطين التي اعتادها.
في عامه الثالث، سجّل براءة اختراع لجهاز يستخرج الماء من الهواء باستخدام حرارة الرمال. ضجّت الصحف باسمه، وأُطلق عليه “ابن الصحراء الذي روّى العطاشى”.
عاد لقريته بعد أعوام، لا بسيارة فارهة، بل بحافلة محمّلة بالألواح الشمسية، والمضخات، والكتب. بنى مركزًا علميًا باسم والده، وعلّق لوحة على بابه كُتب عليها:
“هنا، بدأ الرمل يغيّر مساره.”
أصبحت قريته مركز إشعاعٍ معرفي، وجلس غانم ذات مساء، قرب نارٍ هادئة، وقال لصديقه القديم:
“لم أتغير… أنا فقط عرفتُ الطريق إلى نفسي، وسرت فيه حتى وصلت.”
وما زالت الريح، حين تمرّ من هناك، تهمس لكل من يعبر الرمال: “لا تستخف بمن يحلم، حتى لو كتب حلمه على الرمل.”

تعليقات
إرسال تعليق