لغز اختفاء الرائد ريم محمد الفصل الثالث
بقلم: فايل المطاعنى
الموجة التي لا تعود
في اليوم الرابع، كانت الشمس قد غربت قبل أن يدرك سالم أنّه لم يتناول شيئًا منذ الصباح. جلس في مقهى مطلّ على البحر، المكان ذاته الذي التقى فيه ريم لأول مرة خارج إطار العمل.
طلب فنجان قهوة سادة، دون سكر. كما كانت تفعل هي تمامًا.
حدّق في صفحة البحر اللامتناهية، كأنّها مرآة لما يشعر به. فجأة، رنّ هاتفه.
كان المتصل: النقيب محمد علي.: "سيدي، وجدنا شيئًا…"
المقدم سالم ؟ هل وجدتمها؟"
"لا… لكننا عثرنا على تسجيل كاميرا مراقبة من محطة وقود قريبة من مقرها، في الليلة التي اختفت فيها."
هرع سالم إلى غرفة الأدلة. كان قلبه يسبق خُطاه، وذكراها تملأ الفراغ بين نبضاته.
في التسجيل، ظهرت ريم تترجل من سيارتها عند الساعة التاسعة مساءً. كانت تنظر حولها بقلق، كمن يشعر أنه مُراقَب.
ثم دخلت إلى المتجر، وخرجت بعد دقائق... لكنها لم تعد إلى سيارتها.
بل صعدت في مركبة سوداء توقفت خلف المحطة، لم يُرَ رقمها بوضوح.
قال محمد علي: "السيارة تحمل نوافذ مظلّلة، والمقطع قصير جدًا، لكن واضح أنها لم تكن مُجبرة... دخلت بمحض إرادتها."
ظلّ سالم صامتًا، يحدّق في الشاشة.
"ريم... لماذا؟"
في زنزانتها، كانت ريم تُحصي ساعاتها ببطء.
دخلت امرأة ملثّمة، لم تكن المرة الأولى، لكنها بدت مختلفة اليوم.
قالت بصوت مبحوح:"الوقت يداهمنا، والساعة تقترب."
"ساعة ماذا؟"
"حين تُكشف كل الوجوه... حتى وجهك، ريم."
تراجعت ريم للخلف وهي تتمالك أنفاسها.
"من أنتم؟ ولماذا أنا هنا؟"
لكنّ المرأة خرجت دون جواب، تاركة خلفها ظرفًا أبيض اللون.
فتحته ريم بحذر، لتجد فيه صورة قديمة... تجمعها مع سالم، في جلسة خاصة لم يعلم عنها أحد.
ارتجفت أطرافها. تلك الصورة لم تخرج من هاتفها أبدًا.
في اليوم التالي، جلس سالم أمام شاشة أخرى، يعيد مراجعة كل تحقيقات ريم السابقة.
في ملف قديم أغلقته قبل أشهر، وجد شيئًا غريبًا.
اسم مكرر...
نوف عامر – المشتبه بها سابقًا في قضية تهريب دولي، كانت ريم قد تعمّقت في التحقيق معها قبل أن تُغلق القضية فجأة، بسبب "ضغوط خارجية".
تذكّر الآن تلك الليلة التي عادت فيها ريم غاضبة، وقالت له:
"سالم... هناك شيء قذر في الداخل، لا أحد يريدنا أن نراه."
عاد سالم إلى البحر في المساء، حدّق في الأفق طويلاً وقال:
"ريم... إن كنتِ هناك، فأنا أعدك، لن أترك هذا الخيط ينقطع.
سأجدك... ولو كان البحر بيني وبينك نارًا."
نواصل الفصل الرابع؟
الفصل الرابع – وجوه خلف القناع
كان الوقت يقترب من منتصف الليل، عندما دخل المقدم سالم هلال إلى مكتبه. الجوّ ساكن، إلا من صوت المروحة التي تدور ببطء كأنها تُعدّ أنفاسه.
فتح ملف "نوف عامر" ووضعه أمامه. كل شيء فيه بدا مغلقًا بإحكام… إلّا ملاحظة هامشية بخط ريم:
"اتّبعي المال، لا الأشخاص. المال لا يكذب.
في اليوم التالي، اجتمع بالفريق. قال بنبرة حاسمة:
"سنعيد فتح الملف. سنبدأ من التحويلات البنكية المشبوهة في آخر ثلاثة أشهر قبل اختفاء نوف من التحقيق."
قالت النقيب شيخة سعيد ، بخفوت فيه نبرة شك:
"هل تعتقد أن ريم اختفت بسبب هذا الملف؟"
نظر إليها سالم نظرة حادّة، ثم قال: "أعتقد أنها لم تختفِ... بل أُخفيت."
في الجانب الآخر، كانت ريم تتلقّى وجبتها المعتادة، رغيفًا يابسًا وزجاجة ماء.
لكن هذه المرة، وُضعت ورقة صغيرة تحت الرغيف.
كتُب فيها: "إذا أردت أن تعرفي لماذا أنتِ هنا، تذكّري التحقيق في شركة “أوكسل لوجستيك”."
شهقت ريم... كانت تلك واحدة من أخطر الشركات التي مرّت عليها، واجهت فيها سيلًا من الأكاذيب، وشبهات التهريب، وتورّط أسماء وازنة.
همست: "سالم… نحن كنّا قريبين جدًا من الحقيقة… وها أنا هنا.
في مقرّ الشرطة، توصّل محمد علي إلى خيط مهم: "سيدي… هناك تحويلات من شركة “أوكسل لوجستيك” إلى حساب باسم رمزي في جزر الكاريبي… والأغرب أنه تم عبر بنك داخلي!"
قال سالم بانفعال: "بنك داخلي؟ يعني عندنا خيانة من الداخل."
ردّ محمد: "أجل. وقد وقّع على أحد التحويلات موظف مالي اسمه... هشام صالح."
ساد صمت ثقيل. هشام كان الموظف المقرّب من ريم في التحقيق السابق.
قال سالم بصوت خافت: "أحيانًا... الطعنة تأتي من حيث ظننت نفسك محميًا."
في المساء، استدعى سالم هشام صالح بهدوء. جلس أمامه، ثم أخرج من جيبه صورة ريم.
ووضعها على الطاولة. "وينها يا هشام؟"
ارتبك هشام، حاول التهرّب: "ماذا تقصد؟ أنا… لم أرَ ريم منذ أسابيع."
اقترب منه سالم وقال: "أنا ما جايك كضابط… جايك كرجل وعد وحدة ما يخونها.
قل لي الحقيقة… قبل لا يغرقك البحر اللي تغسل فيه فلوسك."
لم يجب هشام، لكنّ عينيه كانتا تهربان إلى الباب.
في تلك الليلة… تسلّلت امرأة إلى الزنزانة بهدوء. جلست قرب ريم، وهمست:
– "لقد بدأوا بالتحقيق... لكن الوقت يضيق.
إذا أردت الخروج من هنا، عليكِ أن تختاري… الحقيقة؟ أم الأمان؟"
رفعت ريم عينيها وقالت: "أنا اخترت الحقيقة يوم لبستُ الزيّ العسكري… ولن أتراجع."
يتبع…

تعليقات
إرسال تعليق