ذئب الراعي

بقلم :  فيصل بن علي الطائي



عندما يختار الراعي ذئبا كي يحرس قطيع الغنم ، التي يمتلكها خوفا عليها من الذئاب الضالة ، فإنه يرعى قطيعه حول الحمى 

ذلك الراعي المسكين الذي بنى حياته كلها ما بين السهوب ، ليرعى غنيمات له في قطيع من الشياة الجميلة ، يحرسها كلب يملك من الوفاء مما يجعله يسرح بينها ويتفقد أحوالها ولا يمل من النباح كلما شعر بخطر يداهم رفيقات دربه ، فيوفر لها الطمأنينة والاستقرار ، 

وفي يوم من الايام الماطرة توجه الراعي بالغنم تحت سفح الجبل ليحتمي بها من وغزات المطر الباردة التي تخترق ملابسه الرثة ، ويحمي الاغنام من البلل لكي لا يصيبها المرض ، فظهر أمامه ذئبة كبيرة شرسة ، موجهة انيابها نحوه ، وتنظر الى الاغنام السمينة لعلها تفترس واحدة منها ، وتطعم بها جروها الصغير ، الا أن الكلب لم يترك لها المجال لذلك ، فكشر أنيابه ، واخلتطت الأجواء بالنباح والعويل ، وأخذ الصياد جذع شجرة مدبب ، فغرسه بين ضلوع الذئبة الشرشة ، فسقطت تصارع الحياة بهزات الموت تحت زخات المطر ففرت روحها من بين ضلوعها لتعانق السماء ، فحمد الراعي الله على نجاته هو الاغنام من تلك الذئبة الشرسة ، وبينما يسلك طريقه المجهول بين الشراج الكثيرة ، بعد تفرق الاغنام بين فجاج وكهوف الجبال المتفرقة إذا به يسمع انين جرو صغير يتألم من شدة البرد فتتبع الصوت ، حتى وصل الى كهف به جرموز ذئب صغير ، يتألم من شدة البرد القارس ، والجوع القاتل ، فأمسك به الراعي ووضعه وسط معطف مصنوع من صوف الخراف الناعم والدافئ ، فشعر الجرو بالاطمئنان والدفئ ،فحمله الراعي معه في تردد شديد ، لكنه قرر أن يطعمه أولا ثم يتركه بين الجبال الشاهقة ، وبعد أن انقشع السحاب وبلعت الأرض المياه ، اراد الراعي الرجوع بالقطيع بعد عناء شديد في البحث عنها وتجميعها في مكان واحد ، فنظر الى الجرو الصغير وتذكر الذئبة التي هاجمته فقضى عليها ، وقال ما مصير هذا الجرو الصغير في هذا المكان المقطوع بعيدا عن والدته التي تركته وحيدا بوفاتها ، فتركه الراعي على معطف الصوف الا أن فروه الناعم وأنينه المتقطع لم يترك للراعي مجال لتركه وحيدا يواجه الحياة بمفرده ، فقرر أن يأخذه معه ويرعاه ويدربه لعله يكون وفيا معه لما قدمه له من عناية وتدريب ، فمرت السنين والايام وتحول الجرموز الصغير الى ذئب يحمل في كبريائة شراسة الذئب ووفاء الكلب وعطف الراعي ، فصار ملازما للراعي في حراسة القطيع ، جنبا إلى جنب مع صديقه الكلب ، يصارع الأفاعي و الضباع ، ويفتك بالنسور الجارحة وتهديد الوشق المتوالي ، لم يظهر الذئب في الايام الي قضاها الا الوفاء للراعي ، والحرص بالحفاظ على القطيع ، فعاش سنوات طويلة معهم ، حينها قرر الراعي أن يتفقد أماكن الرعي مصطحبا معه الكلب ، وسط سهوب وسهول المنطقة ، وترك الذئب يحرس القطيع ، بمفرده هذه المرة ، الا أن الغريزة الحيوانية تبقى مغروسة بالفطرة ، فالذئب يبقى ذئبا ولو لم يتدرب على ذلك ، لم يستطع أن يقاوم رائحة الخرفان الطرية ، حتى يهجم بكل شراسة ، خارجة عن الارادة ، ليصارع القطيع في هجوم وحشي لم يكن له سابقة عهد به ، فقضى على نصف القطيع ، حينها ادرك الصياد وقت رجوعة بصحبة الكلب ، ما فعله الذئب ، فتذكر مقولة المعتصم البهلاني في الميدان 

"برسيم حمر دوس وخضر دوس وزرعك يالبيدار بندوسه والي يربي الفار في المندوس يصبر على خراب مندوسه". 


ولكن بعد فوات الأوان. 

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

المرأة ليست سلعة للتسويق

قلب مطمئن ونفس راضية

وميض مياسة