طاهرة وحلم اليقظة
بقلم . طاهرة الشامسية
في قرية صغيرة محاطة بأشجار الزيتون والحقول الذهبية، عاشت فتاة تُدعى طاهرة. كانت في السابعة عشرة من عمرها، ولكن ملامحها كانت تحمل هدوء امرأة عرفت الحياة جيدًا، وعينيها الواسعتين تخبئان عالمًا من الأحلام لم يطأه أحد.
طاهرة لم تكن كبقية الفتيات. كانت تقضي ساعات طويلة جالسة على شرفة البيت الطيني القديم، تنظر إلى الأفق وكأنها تنتظر شيئًا لا يعرفه أحد. لم تكن تحب الحديث كثيرًا، ولم تكن تهتم بالألعاب أو حتى قصص الحب التي تتناقلها الفتيات في السوق.
كانت تعيش في حلم يقظة دائم. حلمٌ كانت تعود إليه كلما أغلقت عينيها قليلًا، حتى ولو كانت جالسة في الفصل أو بين أهلها. في حلمها، كانت طاهرة أميرةً في مدينة من الزجاج الأزرق، يحكمها النور، ويخدمها حراس من ريش النوارس. لم تكن مجرد أميرة، بل كانت قادرة على الطيران، على الكلام مع الأشجار، وعلى شفاء القلوب الحزينة بمجرد اللمس.
في الواقع، كانت حياتها أكثر بساطة. والدها عسكري شجاع، ووالدتها امرأة حنون لكنها حازمة. لم يفهم أحد من أهل القرية طبيعة طاهرة، ولم يعرفوا سر شرودها الدائم. كانوا يهمسون:
"البنت ما فيها حيلة... عقلها مشغول بشي ما من هالدنيا".
لكنها لم تهتم.
البداية
في أحد الأيام، جاءت إلى المدرسة أستاذة جديدة إسمها مديحة. شابة في أواخر العشرينات، تحمل كتبًا أكثر مما تحتاج، وعينين فيهما شيء من الحزن الجميل. لاحظت مديحة طاهرة منذ اليوم الأول. لم تكن تشارك، لكنها كانت تستمع. نظراتها ليست تائهة كما اعتقد الآخرون، بل مركزة على شيء لا يُرى.
بعد أسابيع، قررت أستاذة مديحة أن تكلمها. سألتها ذات مساء بعد انتهاء الدرس: – "يا طاهرة... بتحلمي بشو لما بتكوني ساكتة كده؟" رفعت رأسها ببطء، ونظرت في عينيها للمرة الأولى. ثم ابتسمت. – "أحلم بحياة ما في أحد شافها... مدينة من زجاج، وكلها نور..."
لم تسخر منها. بل جلست تستمع. ومنذ تلك اللحظة، أصبحت مديحة مرآة طاهرة في هذا العالم. كل يوم كانت تحكي لها عن جزء جديد من عالمها. وبدلًا من أن تعيدها إلى الواقع، بدأت ترسم معها هذا العالم. رسمت مدينتها الزجاجية، ودوّنت أسماء الحراس، وكتبت وصفًا لأجنحتها الشفافة.
التحوّل
لكن الناس لا يرحمون المختلفين. بدأت الشائعات تدور حول "البنت الغريبة والأستاذة المجنونة". اتهموها بالسحر، وبأنها تُضيع وقتها في الأوهام. وضغطوا على أهلها ليمنعوها من الدراسة. في لحظة واحدة، توقف كل شيء. سُحب الكتاب من يدها، وأُغلقت الشرفة، وأُطفئت أنوار مدينتها الزجاجية.
لم ترَ استاذتها مرة أخرى. قيل إنها نُقلت إلى مدرسة أخرى. ولم يُسمح لها حتى أن تودعها.
ظلت شهورًا صامتة، حزينة. عالمها الداخلي انهار، وأصبحت تتكلم كالآخرين، تتحرك كالبقية، وتأكل وتشرب بلا طعم. لكن في أعماقها، بقيت مدينة الزجاج تنتظر.
العودة
في إحدى الليالي، وبعد أن هدأ البيت، سمعت طاهرة صوتًا في الحلم. لم يكن صوتًا خارجيًا، بل نداءً داخليًا. أغمضت عينيها، فرأت المدينة، لكنّها كانت مكسورة، الزجاج فيها مشروخ، والنور باهت.
سمعت صوت أستاذة مديحة تقول:
"المدينة ما بتموت، طالما أنتِ بتتذكريها..."
في تلك اللحظة، قررت طاهرة أن تُعيد بناء مدينتها. ليس في رأسها فقط، بل في الواقع. بدأت تكتب. كل صباح كانت تدوّن حلمها، ترسم جدران المدينة، وتكتب قصص سكانها. وفي كل صفحة، كانت تُعيد الضوء شيئًا فشيئًا.
وبعد سنوات، صدر أول كتاب لطاهرة بعنوان "مدينة الزجاج". لم يكن خيالًا فقط، بل شهادة على أن الأحلام يمكن أن تكون بوصلة النجاة. أصبح الكتاب حديث القراء، وبدأت الناس ترى في طاهرة كاتبة لا مجنونة، امرأة استطاعت تحويل حلم يقظة إلى واقع يلهم الآلاف.
وفي نهاية كتابها، كتبت إهداءً صغيرًا:
"إلى من رأت مدينة الزجاج قبلي... شكرًا لأنكِ آمنتِ بي."

تعليقات
إرسال تعليق